يشهد النظام النقدي والنظام المالي العالمي تغيرات جذرية، منذ بداية العام الجديد 2026، من هذه التحولات الدرامية، التحول نحو العملات المستقرة بدلاً من العملات المشفرة، المتقلبة، في المعاملات اليومية والمدفوعات والتسويات، وهو تحول اتخذ منحىً تصاعدياً في عام 2026، فالعملات المستقرة اليوم، وخاصة تلك المقومة بالدولار الأمريكي، تعمل بشكل متزايد كـ»دولار إنترنت» (Internet's dollar)، وتشكل العمود الفقري للبنية التحتية المالية الرقمية، ومع ذلك هذا لا يعني أن العملات المشفرة التقليدية مثل البيتكوين ستختفي، بل إنها تتجه نحو أدوار مختلفة، ففي حين تعمل عملة البيتكوين بشكل أكبر كمخزن للقيمة (ذهب رقمي)، فإن العملات المستقرة تتولى وظيفة وسيط المدفوعات والمقبوضات التجارية.
وارتفع حجم معاملات العملات المستقرة إلى مستوى قياسي بلغ 33 تريليون دولار في عام 2025، متجاوزاً حجم المعاملات المعالَجة بواسطة أدوات الدفع التقليدية مثل فيزا، وذلك بتأثير، في ما هو راجح، من مسارعة السلطات الأمريكية لوضع اللوائح التنظيمية مثل قانون GENIUS الذي أُقر في يوليو/ تموز 2025، وقانون تنظيم أسواق الأصول المشفرة (Markets in Crypto-Assets Regulation - MiCA)، الذي سنه الاتحاد الأوروبي في 2024 وأخضع جميع المنخرطين في قطاع التشفير وكذلك المستخدمين وحاملي العملات الرقمية، سواء كانت شركات أو أفراداً، للامتثال للوائحه، ومنها إلزام مُصدري العملات المستقرة، بتغطية كاملة بالاحتياطيات، إضافة إلى تجاوز العملات المستقرة بسرعة نطاق منصات تداول العملات المشفرة لتشمل التحويلات المالية عبر الحدود، ومدفوعات الشركات
(Business-to-business - B2B)، وإدارة خزائن الشركات، ما يوفر تسوية أسرع على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع بكُلف أقل.
الأمر لن يخلو من تنافس حاد بين العملات المستقرة، المتنافسة على حصة السوق، وتحديداً بين (Tether)، أو (USDT)، كما يشار إليها برموز عملتها، و(Circle) أو (USDC)، و (PayPal) أو (PYUSD)، (Tether) عملة مستقرة مشفرة أطلقتها شركة (TETHER Limited Inc) في عام 2014، وهي مرتبطة بالدولار الأمريكي، وعملة USDC هي عملة مستقرة أصدرتها شركة التكنولوجيا المالية (Circle Internet Financial) في سبتمبر/ كانون الأول 2018، مدعومة بعملات ورقية ومرتبطة بالدولار الأمريكي بنسبة 1:1.PayPal (PYUSD)، هي الأخرى عملة مدعومة بالدولار الأمريكي بواقع 1:1، كانت قد أصدرتها شركة باكسوس ترست (Paxos Trust Company) في أغسطس 2023، بسعر صرف ثابت أمام الدولار الأمريكي بواقع 1:1، لكنها مدعومة بالودائع النقدية وسندات الخزانة، وتُستخدم لإجراء تحويلات عالمية سريعة ومنخفضة الكلفة، وللدفع على مدار الساعة، ولتداول الأصول الرقمية، وفي حين تعتبر (USDC)، خياراً مفضلاً للاستخدام المؤسسي الخاضع للتنظيم الحكومي، فإن (USDT)، هي المهيمنة في الأسواق الناشئة.
آدم كاري (مواليد 1964) رجل أعمال وشخصية إعلامية أمريكية هولندية، يُعرف على نطاق واسع باسم «أبو البودكاست» لدوره التأسيسي في تطوير البودكاست في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومعروف أيضاً في أوساط العملات المشفرة، لاسيما بيتكوين، مؤخراً، قدّم شرحاً لكيفية عمل العملات المستقرة، ومنها «تيثر»، والمستقبل المحتمل لنظام الدولار الرقمي الأمريكي، بحسبه فإن «العملة المستقرة هي دولار رقمي مرتبط بالدولار الأمريكي، لذا فهي تساوي دولاراً دائماً، والسبب الوحيد لقيمتها الدولارية هو أن الشركة المُصدرة لها تمتلك ديوناً وأوراقًا مالية تدعمها، فهي تشتري ديون الولايات المتحدة، وتشتري سندات الخزانة التي تدفع أرباحاً تُدرّ فوائد، ومقابل كل دولار اشترته من سندات الخزانة، تقوم بإصدار ما يعادلها جميعاً من عملات مستقرة، بالنسبة لشركة Tether، فقد اشترت من ديون الولايات المتحدة أكثر مما اشترته معظم الدول، لديها ديون أمريكية بقيمة 160 مليار دولار، ولكل دولار من هذه الديون، لديها ما يقابله من عملة مستقرة، ويقرر آدم كاري: «نحن بمساعدة الرئيس ترامب، سنخلق دولاراً من الديون، وسنخلق دولاراً آخر يُمكن استخدامه في جميع أنحاء العالم كعملة احتياطية، وهذا من شأنه أن يُؤدي إلى نظام نقدي جديد نحتاج إلى ابتكاره، مع الحفاظ على مكانة الدولار كعملة احتياطية، نحن لم نعد نُنتج أي شيء نبيعه في الخارج، ولا يُمكننا جميعاً أن نُقدِّم لبعضنا البعض البرغر والبطاطا المقلية- علينا أن نبني شيئاً ما، كل ذلك ذهب إلى الخارج. لذلك يسعى ترامب لإعادة تمويل البلاد رقمياً، وهذا لا يُعجب مُؤيدي البيتكوين لأنهم يُريدون أن تكون البيتكوين العملة الوحيدة التي يستخدمها الجميع، يبدو لي أن العملات المُستقرة، وتيثر على وجه الخصوص، ستكون مستقبل مدفوعات الدولار الأمريكي، وإنه لا مفر من وجود شكل من أشكال «الدولار الرقمي».
* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية
