تستخدم البنوك المركزية السياسات النقدية لزيادة عرض النقود من خلال شراء السندات الحكومية وغيرها من السوق بهدف تحفيز النمو الاقتصادي . وتزيد سياسة التيسير الكمي من عرض النقود وهي تؤدي إلى رفع السيولة لدى البنوك بنسبة كبيرة، ما قد يشجعها على الإقراض وبالتالي يتحسن مستوى النمو الاقتصادي . وعادة ما تتبع البنوك المركزية سياسة التيسير الكمي عندما تقترب أسعار الفائدة من الصفر . وعلى الرغم من مفعولها الإيجابي في المديين القصير والمتوسط إلا أن آثارها الضارة التي تتمثل بارتفاع قوي في معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية للعملات قد تجعلنا نتساءل حول وضع الاقتصاد العالمي في المدى الطويل .
إن طباعة أوراق نقدية لدعم النمو الاقتصادي ومساعدة الحكومة على خفض ديونها هي ليست فكرة جديدة . ولم تستخدم المصارف المركزية هذه الأداة في الماضي، نظراً لأنها تحمل عواقب وخيمة على المدى الطويل . فعلى سبيل المثال في العام 1700 واجهت فرنسا أزمة ديون كبيرة عندما بلغ حجم الدين 20 مرة أكبر من إيراداتها الضريبية . ولحل المشكلة من دون تخفيض الإنفاق، لجأت فرنسا إلى عرض النقود الورقية، وتحويل الديون إلى مبالغ يمكن سدادها بقطعة من الورق بدلاً من الذهب .
حكام المصارف المركزية الفرنسية ذهبوا لأبعد من هذا في برامجهم للتيسير الكمي في تلك الفترة فبدلاً من مجرد طباعة النقود، التي سوف تقلل من قيمة العملات الذهبية التي شاع استخدامها وخلق التضخم، أصدرت فرنسا أسهم في الشركة ميسيسيبي، وهو مشروع سمح لكل شخص في البلاد من الاستفادة من استكشاف العالم الجديد . وقامت المصارف بمبادلة سندات دين الحكومة الفرنسية بالأسهم في الشركة الجديدة والتي اعتقد الجميع في وقتها أنها ستجعل كل الفرنسيين أثرياء . وهذا أسهم في ظهور فقاعة سوق الأسهم وتم تداول الأسهم بأسعار بعيدة عن أسعارها الواقعية . وبعد أربع سنوات، انفجرت فقاعة سوق الأسهم، ما أدخل فرنسا في دوامة أزمة اقتصادية لم تتمكن من الخروج منها من ما يقرب من قرن من الزمان .
عانت إنجلترا مصيراً مماثلاً في الفترة نفسها عندما أخفقت شركة البحار الجنوبية في تحقيق الوعد في ديون قليلة وإنفاق حكومي . وذات مرة سئل السير إسحاق نيوتن عن سياسة التيسير الكمي التي اتبعتها الحكومة البريطانية في عام 1715 بهدف الخروج من أزمتها الاقتصادية فأجاب أنا أستطيع أن أحصي تحركات النجوم وليس جنون الرجال .
قبل نحو خمس سنوات، قام مجلس الاحتياطي الفيدرالي باستخدام الفكرة العامة نفسها التيسير الكمي من خلال شراء سندات الرهن العقاري وسندات الخزانة بهدف زيادة المعروض من النقود من دون الحاجة إلى الاعتراف بأنه يطبع ببساطة النقود . وعلى الرغم من وجود اختلافات بين طبيعة الاقتصاد الفرنسي والبريطاني في القرن السابع عشر وطبيعة الاقتصاد الأمريكي في القرن الواحد والعشرين إلا أن القوانين الاقتصادية الأساسية التي سادت في الماضي مازالت قائمة وبالتالي فإنه من المحتمل أن يصل الاقتصاد الأمريكي إلى النتائج السيئة نفسها التي وصلت إليها فرنسا وبريطانيا في القرن السابع عشر في المدى الطويل .
وخلال السنوات الخمس الماضية استخدمت الولايات المتحدة سياسات مالية ونقدية توسعية تدرجت من تدخل البنك الاحتياطي الفيدرالي لإنقاذ النظام المصرفي إلى سياسات التيسير الكمي لخلق قوى محرضة للنمو وإعادة التوازن للاقتصاد الأمريكي . ولقد تمكنت الولايات المتحدة من تجاوز المرحلة الأسوأ من مراحل الأزمة الاقتصادية وتمكن الاقتصاد الأمريكي من تسجيل معدلات نمو في الناتج المحلي الإجمالي اقتربت من 2% . وتشير المعطيات الحالية إلى قدرة الاقتصاد الأمريكي على تسجيل معدلات
أفضل هذا العام قد تصل إلى نحو 5 .2% سنوياً . وبالرغم من تلك الأخبار المتفائلة فإن أن استمرار البنك الاحتياطي الفيدرالي في سياسات التيسير الكمي قد يكون له آثار تضخمية ضارة مستقبلاً .
إن سياسة التيسير الكمي التي يتبعها البنك الاحتياطي الفيدرالي تعتمد على طبع النقود وإصدار الشيكات الإلكترونية من دون حدود أو شروط مسبقة . ويبدو أن لهذه السياسة ما يبررها من وجهة نظر الاحتياطي الفيدرالي والذي يعتقد جازماً أن الحكومة الأمريكية لها قدرة كبيرة على طبع أي كمية من النقود أو الشيكات الإلكترونية التي تريدها من دون تكاليف . بمعنى آخر أن الحكومة الأمريكية تستطيع إصدار شيكات إلكترونية من دون أن يكون لديها رصيد حقيقي في البنوك الأمريكية .
ويقوم الاحتياطي الفيدرالي بطبع نقود وإصدار شيكات إلكترونية شهرياً بما يعادل 87 مليار دولار أمريكي لتغطية مشترياته من سندات الخزانة والسندات العقارية لتنفيذ سياسة التيسير الكمي . وعندما تقوم البنوك ببيع ما تملكه من سندات الحكومة الأمريكية إلى البنك الاحتياطي الفيدرالي يتم تسجيل هذه العمليات في حسابات تلك البنوك لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي في ناحية الخصوم وهي بالتالي تشكل مايطلق عليه احتياطيات البنوك مع البنك المركزي والذي سيقوم بإنفاقها كيفما يشاء بعد أن يكون قد طمأن البنوك الأمريكية بأنه سيحترم وسيحافظ على تلك الاحتياطيات وأنه لا داعي للقلق . وبهذا يكون البنك الاحتياطي الفيدرالي قد حصل على ثقة البنوك . وفي الوقت نفسه فإن الشركات الأمريكية والمواطن الأمريكي لديه ثقة بالبنوك الأمريكية . وبالتالي فإن مسألة الثقة امتدت لتشمل كامل النظام المالي الأمريكي . وقد بلغ حجم الائتمان في النظام المالي الأمريكي نحو 54 تريليون دولار أمريكي وهو مبني بالكامل على الثقة في البنك الاحتياطي الفيدرالي من دون أن تكون هناك أرصدة كافية له مع البنوك . ولكن كيف تستطيع الحكومة الأمريكية إصدار تلك الشيكات الإلكترونية من دون تكاليف؟ عندما يقوم الاحتياطي الفيدرالي بشراء السندات الحكومية من البنوك الأمريكية فإنه يقوم باقتطاع الفوائد على تلك المشتريات وتحويلها للحكومة وبالتالي فإن الحكومة أصدرت السندات لكنها لم تكلفها شيئاً . بعبارة أخرى قام الاحتياطي الفيدرالي بطبع النقود ثم اشترى بتلك النقود المطبوعة السندات التي بحوزة البنوك ثم قام بتحويل قيمة الفوائد التي تحملها تلك السندات إلى الحكومة، وهكذا فالحكومة استدانت من خلال إصدار تلك السندات وبيعها للبنوك ثم استلمت تكلفة الدين من البنك الاحتياطي بعد أن قام الأخير بشراء ما أصدرته الحكومة من أدوات دين للمؤسسات المالية . وقد بلغ حجم محفظة البنك الاحتياطي من مشتريات السندات سواء الحكومية أو العقارية نحو 5 .2 تريليون دولار أمريكي . ويقوم الاحتياطي الفيدرالي بتحويل مجموع الأرباح المتحصلة من الفوائد على تلك السندات للحكومة الأمريكية والتي تبلغ حالياً نحو 100 مليار دولار أمريكي سنوياً، وهذا يعني أن الحكومة الأمريكية ستقلص العجز لديها بالمبلغ نفسه .
ويقوم حالياً البنك الاحتياطي الفيدرالي بشراء نحو تريليون دولار أمريكي سنوياً من السندات، وهذا يعني أنه يقوم بتمويل 80% من العجز من دون تكلفة .
البنوك المركزية الأوروبية تعمل حالياً بالآلية نفسها . ولقد قامت البنوك الستة الرئيسية حول العالم بإصدار ما يزيد على 6 تريليونات دولار من الشيكات الإلكترونية منذ عام 2009 الآن لكي تعوض عن الانكماش الكبير في حجم الائتمان التجاري والمصرفي الذي تقدمه البنوك لصالح القطاع الخاص .
إن الائتمان الحكومي يتم دعمه من قبل قوة ائتمان البنك الاحتياطي الفيدرالي ومن تحويلات الفائدة على السندات الحكومية للحكومة بعد أن يتم شراؤها من قبل الاحتياطي الفيدرالي . وفي حال ارتفاع أسعار الفائدة وظهور خسائر في محفظة السندات التي يملكها الاحتياطي الفيدرالي فإن تلك الخسائر تسجل على أنها مطالبات محاسبية لمصلحة وزارة الخزانة والتي لا داعي لدفعها إطلاقاً . ومن هنا أيضاً يتضح كيف أن الحكومة الأمريكية تحصل على الأموال من دون تكاليف .
وهنا يأتي سؤال في غاية الأهمية، وهو إذا كانت الأمور بهذا الشكل فلم القلق من موضوع الهاوية المالية وارتفاع حجم الدين بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، ولماذا التمسك بالسياسات التقشفية والحد من الإنفاق الحكومي طالما أن الحكومة الأمريكية تستطيع أن تصدر ما تشاء من الدين ثم تجعل البنك الاحتياطي الفيدرالي يشتريها ثم يقيد فوائد تلك السندات في حساب الحكومة؟ إن السبب الرئيس وراء ذلك القلق يأتي من أن سياسة التيسير الكمي سترفع من معدلات التضخم مستقبلاً وستخفض من قيمة الدولار الأمريكي مقابل العملات الأخرى ومقابل السلع الأساسية .
إن قيام الاحتياطي الفيدرالي بغض الطرف عن تلك المخاطر سيكون له عواقب وخيمة . ولأن البنك الاحتياطي الفيدرالي أصبح لاعباً رئيساً في السوق المالي فإن هذا يعني أنه نشاطاته في السوق المالي أسهمت في إخفاء السعر الحقيقي للأدوات المالية في السوق وشوهت الصورة الحقيقية للتدفقات الائتمانية وأحجامها الحقيقية المتوفرة وبالتالي يكون الاحتياطي الفيدرالي قد أخل بالموازين داخل الهياكل المالية والتجارية السائدة، ما سيعكس صورة غير حقيقية حول طبيعة القرارات الاستثمارية وأسعار الاستثمارات المالية في القطاع الخاص .
وقد تزداد هذه المخاطر عندما يصبح البنك الاحتياطي الفيدرالي في حاجة لاتباع سياسات تيسير كمي أكبر أو عندما يستشعر تقلص فاعلية الحزمة الحالية في خلق التأثير الإيجابي المطلوب في الاقتصاد الأمريكي . من هنا فإن السياسات الحالية للبنك الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الرئيسة في العالم قد لا تكون نتائجها كما يتمنى ويحلم رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي مستقبلاً .
* الرئيس التنفيذي لشركة آر جي إي للاستشارات