إن أكبر آفة ابتليت بها المجتمعات المرفهة هي آفة الدين، فالديون هي الفقر بعينه، فعلى مستوى الدول تتعطل التنمية في الدول المدينة، وتنتشر البطالة، وينتشر الفساد بشتى أنواعه، وخاصة الفساد الإداري . أما على مستوى الأشخاص، فالإنسان المدين شخص معطل الطاقة، مهموم ومشتت الفكر، ولا يوجد في باله سوى مشكلة الدين، وكيفية اسكات الدائنين أطول فترة ممكنة، ويزداد الهم عندما تكون الجهات الدائنة هي البنوك، حيث تبدأ الاتصالات أول كل شهر، ويبدأ المدين عملية الهروب، تارة بتغيير أرقام هاتفه، وتارة أخرى بتغيير أماكن اقامته، تنتشر آفة الديون في المجتمعات المرفهة أكثر من غيرها، حيث تزيد الإغراءات الاستهلاكية، فهذه شركة تعرض سيارات بدون دفعة أولى، وأخرى تعرض أثاثاً منزلياً بأقساط طويلة الأجل، وثالثة تعرض سفرات سياحية حول العالم بأقساط مريحة . . الخ . وهنا تبرز البنوك، وتبدأ بتقديم عروض التمويل بفوائد قليلة ظاهرياً، وتمتلئ صناديق البريد بالعروض المغرية، وبتقديم شتى أنواع بطاقات الائتمان، وهذه بالذات هي أسوأ أنواع القروض، وفي وقتنا الحاضر، تكاد لا تخلو عائلة من وجود دين أو أكثر لأحد أفرادها، أو كلهم، والمصيبة أن كثيراً من الناس لا يتعلمون الدرس، فما يكاد أحدهم ينتهي من قرض معين، حتى يبدأ بآخر، ولو رجعنا إلى موضوعنا الرئيسي، وكيف كان حال المجتمع الأمريكي قبل الأزمة الاقتصادية الطاحنة عام ،1929 سنجد أن الوضع مشابه تماماً لما يحدث الآن في كل المجتمعات، فالرفاهية التي جلبتها سنوات العشرينات للفرد الأمريكي، شجعته على الاقتراض، وتشير إحدى الدراسات إلى أن معدل الزيادة في الاقتراض لدى العائلة الأمريكية زاد ثلاثة أضعاف خلال عشرينات القرن العشرين عما كان عليه الوضع قبل الحرب العالمية الأولى، وكان أهم تلك الاغراءات هي السيارات، تلك الآلة العجيبة التي تنقل الفرد من مكان إلى آخر بسهولة ويسر، شجعت كل فرد على الحرص على اقتنائها، وكما ذكرنا في الحلقة السابقة، فإن السيارة الشعبية التي أنتجتها شركة فورد وهي موديل T، كانت الاغراء رقم واحد لكل فرد أمريكي، وبدأت شركة فورد تناشد الموظفين والعمال ذوي الرواتب المرتفعة، وكاثبات للولاء لشركتهم بشراء السيارات التي ينتجونها حيث انخفضت الأسعار من 950 دولاراً عام 1909 إلى 290 دولاراً عام ،1926 ونظراً للاقبال الكبير على السيارات، قررت شركة جنرال موتورز انشاء شركة للاقراض، وشجعت المبذرين على تغيير سياراتهم كل عام مع تسهيلات بتمديد القروض، وكانت القروض في تلك الفترة مكلفة بمعدل يصل إلى 30% عند شراء سيارة جديدة بالتقسيط، وكانت قائمة الاحتياجات تكبر باستمرار عند الفرد الأمريكي، فقد أصبح مولعاً بكل ما هو جديد، ويسعى بشتى الطرق لاقتنائه .(1) وحدث وضع مشابه تماماً لهذا الوضع قبل الأزمة الاقتصادية الحالية، حيث اندفع الأمريكيون في الاستهلاك لكل شيء، فكيف كان الوضع في أمريكا قبل الأزمة الحالية .
حمى الاقتراض قبل الأزمة
اجتاحت حمى الاقتراض جميع دول العالم قبل الأزمة الاقتصادية الحالية التي بدأت في سبتمبر ،2008 ولا يمكن استثناء مجتمع دون آخر من هذه الحمى، ولكن لو عدنا إلى المركز الذي انطلقت منه الأزمة الحالية، وهي أمريكا، فإن المجتمع الأمريكي اندفع بشكل هستيري نحو الاقتراض والتبذير، ورهنت آلاف العائلات بيوتها بعد أن ارتفعت قيمتها لدى شركات الرهن العقاري، وحصلت بالمقابل على مبالغ مالية تسمح لها بدفع رسوم تعليم أبنائها في الجامعات، أو شراء سيارات جديدة، أو شراء أدوات منزلية مثل الشاشات التلفزيونية الحديثة وغيرها، وأصبحت جميع طبقات المجتمع وخاصة الطبقة الوسطى مديونة لشركات الائتمان المختلفة التي تفرعت في شتى المجالات، بدءاً من العلاج الصحي إلى التعليم العالي والسيارات والمشاريع الاقتصادية الصغيرة، وحتى حاجات الاستهلاك اليومي، ومن وراء هذه السياسة، يقف اصحاب رؤوس الأموال كالكواسر تحوم في الجو، وتراهن تارة لصالح شركات الائتمان، وتارة أخرى تراهن على عجزها عن جباية استحقاقاتها، ومرة تغري المواطن الأمريكي باستثمار توفيراته في البورصة، وعندما يفقد كل ما يمتلكه، تدفعه لأخذ قرض من دون ضمانات على ان يدفع مقابله فوائد عالية، في المرة الأولى سرق رأس المال من المواطن الأمريكي كل ماله، وفي المرة الثانية يقرضه من ماله المسروق، ويجني منه فائدة عالية، حتى يعجز عن السداد، فيصادر منه بيته، وفي كلتا الحالتين، يستفيد رأس المال الذي يعيش من المقامرة على حساب الانسان البسيط .
المتاجرة بالأسهم وحلول الكارثة: سنقسم الاقتصاد الأمريكي إلى دوائر خلال العشرينات من القرن العشرين، هذه الدوائر المتداخلة تبدأ بالدائرة الأكبر وسنضع داخلها الناس البعيدين عن الانتاج والتصنيع ولا يشعرون بازدهار السوق أو إفلاسها، ثم نأتي للحلقة التالية لنضع داخلها الدول الصناعية المرتبطة بالديون للولايات المتحدة، أما الحلقة الثالثة فسنضع بها أغلبية المواطنين الأمريكيين، وهم مقسمون إلى عدة فئات، الفئة الأولى أولئك الذين يكافحون للبقاء على حالتهم المادية بنفس الوضع، أما الفئة الثانية فهم أولئك الذين من الممكن ان تتحسن أحوالهم لو أنهم استطاعوا تمويل مشترياتهم، أما الفئة الثالثة وهي ربما أقل من 10% من الأمريكيين، فهم الذين يمتلكون أسهماً، وكانت هناك فئة أخيرة وهم رجال المال الذين يخططون ليلاً ونهاراً لكيفية زيادة أعداد الاشخاص الذين يمكن جذبهم لأخذ قروض للدخول في سوق الأسهم واشتهر من هؤلاء جارلسن ايفانس هيوز الذي اصبح فيما بعد قاضياً للمحكمة العليا، وهنري ستمسون، وهيربرت ليمان أحد أصحاب بنك ليمان بروذرز والذي أصبح فيما بعد حاكماً لمدينة نيويورك، وفرانكلين روزفلت الذي أصبح في الثلاثينات رئيساً للولايات المتحدة، كان هؤلاء ومجموعة أخرى من أصحاب رؤوس الأموال يقومون بعقد صفقات تجارية ومالية وتأسيس نظام استثماري جديد يقوم على أساس أنه بمبلغ مالي معين، يستطيع جمع من المستثمرين تأسيس مجمع متخصص للتأثير في أسعار الأسهم، ويقوم أعضاء من هذا المجمع بالشراء والبيع فيما بينهم في أوقات معينة وبكميات محسوبة، ويبدأ أشخاص معينون برواية قصص عن نجاح ذلك المجمع في تحقيق أرباح ويستدلون على ذلك بمؤشرات الأسعار في بورصة الوول ستريت، ويبدأ بالدخول مستثمرون جدد يحلمون بالثراء السريع، ويتدافعون لشراء أسهم المجمع مما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها، ثم بعد أن تصل إلى الحد الأقصى الممكن، يقوم الأعضاء الأصليون ببيع أسهمهم، مما ينتج عنه انخفاض قيمتها إلى مستواها الأولي، وكان ذلك يحدث طيلة الوقت، ولم يكن غير قانوني، كما لم يكن سرياً، (3) وهو وضع مشابه تماماً لما كان يحدث في بورصات الأسهم الخليجية في السنوات الماضية، ومع استمرار هذه اللعبة في تلك الفترة، دخلت أعداد متزايدة من الأمريكيين الذين رغبوا في اللعب بهذه الطريقة، وكان الآلاف يتهافتون لشراء الأسهم آملين في الدخول لقائمة الأثرياء، وحتى الخسارة كانت تمنحهم الإثارة لأنهم احتكوا بكبار رجال المال . (4)
وازدهرت سوق الأسهم في الوول ستريت، وفي عام ،1928 بدأ بعض صيارفة الاستثمار الأمريكيين في الوول ستريت التحول إلى سوق أكثر ربحاً من سوق القروض الأوروبية، ألا وهي سوق القروض تحت الطلب Call Money، ويعبر اصطلاح القروض تحت الطلب عن الأموال التي تذهب لتمويل مشتريات الأسهم بالهامش التمويل الجزئي، إذ كان بإمكان المضارب آنذاك أن يشتري أسهماً لقاء 10% من قيمتها (أي بهامش أو جزء من قيمتها)، ويقترض المبلغ الباقي من السمسار، وما دام سعر السهم الذي كان يستخدم ضمانة على القرض ينحو إلى الارتفاع، فقد كان كل شيء على ما يرام، وكان المضارب قادراً على زيادة رأسماله بصورة سريعة، أما عندما يتراجع السهم، فقد كان عليه أن يؤمن مزيداً من المال، وإلا بيعت أسهمه، وخسر كل شيء . كانت سوق القروض تحت الطلب رابحة جداً في أواخر عشرينات القرن العشرين، في وقت استهلت فيه الوول ستريت واحدة من فترات رواجها الدورية، وحققت نمواً أسرع من النمو الذي كان يشهده الاقتصاد الأمريكي، قياساً على الأقل بمؤشر داو جونز الصناعي، إذ بينما ارتفع الناتج القومي الاجمالي بنسبة 59% في عقد العشرينات، فإن مؤشر داو جونز حقق زيادة بنسبة 400%، وفي عام 1928 تدخل الاحتياطي الفيدرالي لكبح حركة الاقتصاد والطفرة الناشئة في الوول ستريت التي بدأت تتكشف علامات انفلاتها من عقالها .(5)
اندفع الأمريكيون بكافة فئاتهم للاستثمار في سوق الأسهم الوول ستريت، وفي حين كانت السلطات في أمريكا ترقب بقلق متزايد الزخم المدوي لسوق المضاربة على ارتفاع الأسعار Bull Market في الوول ستريت، كان كل ارتفاع يأخذ بالأنفاس في أسعار الأسهم لا يؤدي إلا إلى إثارة شهية المستثمرين للمزيد، وقفزت أسعار السوق بنسبة 50% في النصف الثاني من عام ،1928 وفي حين بقيت على حالها خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام ،1929 واصلت صعودها المدوي بنسبة 25% خلال الأشهر الثلاثة التالية قبل أن تصل إلى ذروتها النهائية في آب من عام ،1929 وكان القسم الأكبر من سوق الأسهم الذي يلفه الهياج، يجري تمويله من قبل أشخاص اقترضوا مالاً لشراء أسهمهم، وكان ذلك يجري غالباً بمعدلات فائدة تفوق نسبة 10%، وبدأت البنوك تفقد اهتمامها بتمويل أي شيء عدا الميل الصاخب للمضاربة، والأسوأ من ذلك، بدأ سيل من رؤوس الأموال من أقسام أخرى من الاستثمار الأمريكي بالتدفق باتجاه الدول ستريت، وارتفع تمويل سوق الأسهم أي قروض السماسرة في المصارف من 1،5 بليون دولار عام ،1925 إلى 2،6 بليون دولار عام ،1928 بل وارتفع إلى أعلى من ذلك قبل أن تصل السوق للذروة، ولكن، وفي الوقت نفسه، ارتفعت القروض من مصادر غير مصرفية من ما لا يزيد على بليون دولار إلى 6،6 بليون دولار عند نقطة الذروة، ويتضمن ذلك مبلغاً لا يستهان به من مصادر خارجية، وخلال عام ،1928 أصبحت القروض المقدمة للسماسرة، المستحقة عند الطلب، تربح أكثر من الاقراض التجاري العادي، وكانت مصارف الاحتياطي الفيدرالي الاثنا عشر التابعة لمصرف الاحتياطي الفيدرالي الرئيسي في واشنطن قد قامت برفع معدل الحسم الذي تفرضه على المصارف التجارية من 3% عام 1925 إلى 5% عام ،1928 وفي شهر فبراير/شباط من عام ،1929 بدأ مصرف الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك يضغط من أجل زيادة أخرى تصل الى 6%، ولكن واشنطن رفضت، وحّل شهر أغسطس/ آب من عام 1929 قبل ان تمتثل واشنطن وتحرك معدل الحسم ليصل إلى 6%، وكانت تلك نقطة الذروة بالنسبة لسوق المضاربة على ارتفاع الأسعار، وكان الانتاج الصناعي قد بدأ بالهبوط منذ بضعة أشهر قبل ان يضرب الانهيار الكبير سوق الأسهم في تشرين الأول، ولم تقتصر تداعيات تلك الأحداث على الولايات المتحدة، فالتدفق الحيوي لأموال القروض الأمريكية لأوروبا، وبخاصة الى المانيا، لم يكن قادراً على الصمود في وجه الارتفاع السريع في معدلات الفائدة المحلية، وعندما وصلت سوق الاسهم الى نقطة الذروة، كان الاقراض الأمريكي للخارج قد نضب بشكل رئيسي ليصل الى الصفر، والواقع ان مساراً متعاظماً من رؤوس الأموال الأوروبية كان قد بدأ منذ بعض الوقت بالاتجاه نحو نيويورك للمشاركة في بهجة الاحتفال، لكن التدفق باتجاه الخارج لم يكن مبعث سرور في الدول التي خرجت منها رؤوس الأموال، حيث شقت معدلات الفائدة طريقها صعوداً في مسعى للحيلولة دون خروج رؤوس الأموال، وعندما انهار سوق الأسهم في تشرين الأول، كانت بريطانيا والمانيا وايطاليا والنمسا قد بدأت تسير على طريق الركود(6) .
أيام الانهيار: اواخر أكتوبر 1929:
هناك أيام معينة لا ينساها الأمريكيون، ومنها يومي الخميس الأسود 24 أكتوبر 1929 والثلاثاء الأسود 29 أكتوبر ،1929 وهي التي شهدت الانهيار الكبير لسوق الاسهم في الوول ستريت في مدينة نيويورك، سنرجع الى ذلك الشهر من ذلك العام، ونرى كيف سارت الأمور، ونبدأ بالمصارف التي اصيبت بالهستيريا مثلها مثل الناس، فقد ظلت القروض تحت الطلب التي سبق ذكرها في طور الازدياد مع تصاعد حالة الهياج في الوول ستريت، وبذلت المصارف والمؤسسات جهودها لاقراض المال لبيوت السمسرة بمعدل فائدة 12%، واقرضه السماسرة بدورهم الى عملائهم بمعدل 20%، وبدأت المصارف تقترض المال من الاحتياطي الفيدرالي عبر ما يعرف بنافذة الخصم Discount Window وهي تسهيلات يقدمها المصرف المركزي لمنح القروض مباشرة الى المصارف والمؤسسات المالية بمعدل خصم معين بموجب شروط معينة، بمعدل 5%، وتعيد اقراضه الى السماسرة، وكان باستطاعة الاحتياطي الفيدرالي وقف ذلك لحظة يشاء، ولكنه لم يفعل، وفي صيف عام 1929 كانت وول ستريت ومعها ملايين المتعاملين قد فقدت الاتصال بالاقتصاد الذي يعتبر الارضية التي تقوم عليها تداولاتها في الأساس، وخيالات الثروة تتراقص في رؤوس المتداولين، واكتظت غرف السماسرة بالاشخاص الذين راحوا يراقبون الأسعار، وحتى اولئك الذين عرفوا بالرزانة وسعة الأفق وقعوا في شرك هذا السعار . (7) وكما رأينا اثناء فورة الأسهم في أسواق الأسهم الخليجية، حيث نرى الاعداد الهائلة من المستثمرين وهم ينظرون الى الشاشات بعيون زائعة، ويتبادلون الأحاديث فيما بينهم لقتل الوقت متأملين ارتفاع اسعار أسهمهم، فقد كان الوضع مشابهاً تماماً في قاعات الوول ستريت في شهر أغسطس ،1929 حيث انتشرت اعداد كبيرة من الناس التي تتجاذب اطراف الحديث، وتحلل وتستنتج وتتوقع ما ستكون عليه الأسعار، وكان هذا الوضع بمثابة تحذير للعارفين بالأمور بأن الوقت قد حان للخروج قبل ان يصبح متأخراً، وحذر رجل المال جوزيف كندي الذي قام ببيع ممتلكاته من الأسهم وحولها الى نقود وقام بتخزينها قائلاً المغفل هو من يحتفظ بأسهمه الآن وفي حين ان شهر أغسطس/آب هو شهر الحرارة الشديدة في نيويورك ووقت الهروب من المدينة، بقي رجال المال ليروا امكانية تغلبهم على سوق الثور أي صعود الأسعار، وفي يوم 3 سبتمبر وصلت الاسعار الى قمتها، وبعد بضعة أيام انخفض السوق قليلاً، ثم هبطت الأسعار بشكل اكبر . (8) وفي الأسابيع التالية سلكت السوق مساراً هبوطياً، حيث كانت الانخفاضات العرضية تتبع بفترات ارتداد أكثر اعتدالاً، وفي 23 اكتوبر اكتسحت السوق موجة بيع عندما بلغ حجم التداول ثاني أعلى مستوى له، وتراكمت أوامر البيع بالآلاف لدى بيوت السمسرة في جميع انحاء امريكا، وكان اليوم التالي 24 أكتوبر، وهو ما عرف بيوم الخميس الأسود، الأكثر سعاراً في تاريخ البورصة، وذلك عندما هبطت اسعار الأسهم وسببت مزيداً من طلبات التغطية، فبيع المزيد من الأسهم بما تيسر من الأسعار، وتراجعت المؤشرات بصورة حادة، وفي هذه الاثناء، اضاف الباعة على المكشوف (البيع القصير) إلى الضغوط الهبوطية على الاسهم في محاولاتهم اقتناص فرص تراجع الأسعار، (9) في ذلك اليوم، أي يوم 24 اكتوبر 1929 امتلأت الشوارع بالناس الذين أخذوا يمشون بتمهل قاصدين شارع الوول ستريت وتجمعوا بصمت، وبقوا ينظرون بعيون شاخصة الى لوحات البورصة، (10) واستمرت موجة الارتفاع يوم الجمعة 25 أكتوبر، وبلغ جني الارباح في جلسة تداول صباح السبت مقبولاً، واستؤنف البيع يوم الاثنين بعد ان انتشرت اشاعات في وول ستريت حول إقدام كبار المضاربين على الانتحار، وفي اليوم التالي، الثلاثاء 29 اكتوبر، وهو الثلاثاء الأسود، لم تتوقف حركة التداول في السوق، لكنها تراجعت منذ لحظة بدء التداول، وظلت في طور انخفاض طوال اليوم من دون توقف، وبلغ حجم التداول 16 مليون سهم، وهو رقم قياسي سيبقى اكبر رقم يصل إليه التداول في السنوات الأربعين التالية، واستمر الشريط الاخباري يدور بتأخر يتجاوز 4 ساعات، ولم يعرض آخر سعر إلا نحو الساعة الثامنة من تلك الليلة، وبلغ متوسط داو جونز في نهاية ذلك اليوم العصيب مستوى أقل بنسبة 23% من مستوى اقفال يوم السبت و40% تقريباً من دون مستواه في مطلع سبتمبر، ولم يكن أحد يعلم بالطبع ان اعظم الكوارث في تاريخ الأمة الأمريكية قد بدأت .(11)
هوامش
(1) Eric Rauch way, The Great Depression the New Deal, pp .8 - 20 (2) موضوع بعنوان زلزال بدرجة 2088 على مقياس العالم، جريدة القبس، العدد 12778 بتاريخ 26/12/،2008 ص 34
(3) Eric Rauchwar,I bid, pp .8 - 20
(4) Ibid
(5) جون ستيل جوردون، امبراطورية الثورة، ص ،141 -142
(6) بيتر برنشتاين سطوة الذهب، ص 452 - 455
(7) جون ستيل جوردون، امبراطورية الثروة ص 143 - 144
(8) Eric Rauch way, Ibid
(9) جون ستيل جوردين، م . س، ص 144 - 145
(10) Eric Rachway, Ibid
(11) جون ستيل جوردون، م . س، ص 145 - 146