كالعادة انشغل المراقبون والمحللون بنتيجة قرعة كأس العالم 2010 في جنوب إفريقيا والمجموعات التي أسفرت عنها، وانشغل الناس هنا وهناك بتحليلات المحللين وآراء المعنيين في كل منتخب بخصوص الفرص والحظوظ المتباينة، وكأن إثارة الجدل وصنع الاختلافات في وجهات النظر هدف بحد ذاتها، وبذلك بدأت عملياً أعراض حمى المونديال التي ستظل قائمة حتى انطلاق البطولة في يونيو/حزيران المقبل، حيث تنتهي مع صافرة البداية ومع المعطيات الميدانية كل تلك الاجتهادات والتكهنات التي غالباً ما تتكسر باختلافها كلياً عما نراه على أرض الواقع.
هذه المرة كانت نتيجة القرعة متوازنة بالفعل بالنسبة الى كل المجموعات، ومن الصعب أن تجد معاني معبرة بصدق عن الحديدية والمتوسطة والضعيفة التي تتحراها وسائل الإعلام المختلفة في تقييمها لمستويات المجموعات.
بالنسبة إلى الجزائر مثلاً بوصفه المنتخب العربي الوحيد المشارك في البطولة، اذا قال قائل ان الحظ ابتسم له لأن البداية ستكون مع سلوفينيا لا مع انجلترا أو الولايات المتحدة، سنقول ربما يكون لهذا المعنى مرجعية مرتبطة بمستوى انجلترا، أو لأن القرعة قدمت أفضل الخيارات الممكنة، ولكن أين المرجعية المرتبطة بسلوفينيا أو الولايات المتحدة بالقياس الى الجزائر؟
فالقناعة الأكيدة أن المنتخبات العربية كانت ولاتزال الحلقة الأضعف في مجموعات كأس العالم على مر العصور، ووصولها الى الدور الثاني اذا حدث يكون بمثابة السقف الذي تنتهي عنده الطموحات والآمال، وما فوق ذلك، إن حدث، سيكون الاستثناء الذي لا يكسر القاعدة بأي حال، ولعل تصريح رابح سعدان عقب اعلان نتيجة القرعة ينسجم مع هذا المعنى ويؤكده، حيث قال: حظوظنا قائمة في بلوغ الدور الثاني.
الشيء الوحيد الذي توقعه المراقبون ويستحق ان نتوقف عنده لنرى مدى صوابيته هو المفاجآت التي قد تحققها منتخبات إفريقيا السمراء: نيجيريا وكوت ديفوار وغانا وجنوب إفريقيا والكاميرون فهذه واعدة وطموحاتها لاتعرف سقفاً محدداً، كما انها تأخذ بكل أسباب الكرة الحديثة من حيث السرعة والقوة واللياقة، وفي الدورات الماضية للبطولة شواهد وعلامات يمكن الاستدلال بها من خلال عروض ونتائج منتخبات بعينها كغانا في ،2006 والسنغال في 2002 والكاميرون في 1990.
وهناك أمور تنظيمية وإخراجية، يجب ألا ننشغل عنها بنتيجة القرعة، فالحفل كان نموذجياً في فقراته القصيرة وفي توظيفه الأمثل للرموز والشخصيات المهمة التي حضرته، وشعرنا من اللحظة الأولى بالطابع الإفريقي الذي يميز هذه الدورة للبطولة العالمية من خلال الموسيقا والعروض، ومن الرسائل الثقافية التي تم تصديرها عبر الكلمات الموجزة، ويكفي في هذا المقام ربط مانديلا بين السنوات التي قضتها إفريقيا لانتظار استضافتها لأول مونديال والسنوات التي أمضتها في كفاحها للتخلص من التفرقة العنصرية والحصول على الحرية، فهكذا تصنع الأحداث وتجتاز زمانها ومكانها لتأخذ منحى تاريخياً يخلدها في الذاكرة.
E.mail: [email protected]