في الطاحونة

04:44 صباحا
قراءة دقيقتين

لأن العرب أدمنوا الانتظار والرهان على وهم المفاوضات، والدور الأمريكي الذي لا دور سواه. ولأن العرب لا بديل لديهم إلا الدعاء بأن يديم عليهم نعمة المفاوضات التي يتولاها راعٍ أمريكي نزيه وصالح وعادل يحقق لهم السلام الذي عاهدوا أنفسهم بأن يكون خيارهم الاستراتيجي، ولأن العرب لم يعد يعنيهم من أمر الصراع مع إسرائيل إلا بيانات تصدر وتقدّم واجب الشجب والاستنكار على ما يرتكب من مجازر وحصار وقتل وتدمير بحق الشعب الفلسطيني ، أو انتهاك للمقدسات، ها هي هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية تأتي إلى المنطقة، ومعها المبعوث الأمريكي جورج ميتشل الذي لم يملّ من فشله حتى الساعة رغم جولاته المكوكية، كي تؤكد الولايات المتحدة أنها جادة في جهدها للتوصل إلى تسوية في الشرق الأوسط.

كيف؟ بأن تتخلى الإدارة الأمريكية عن مطالبتها إسرائيل بوقف الاستيطان أو تجميده كشرط لإطلاق المفاوضات. هذا ما أعلنه مساعد وزيرة الخارجية جيفري فيلتمان. وهذا يعني أن هذا المطلب الثانوي البسيط الذي كان منطلقاً لجهد أمريكي طوال الأشهر الماضية قد سقط، أي أن الإدارة الأمريكية التي كان منتظراً منها تقديم مبادرة للتسوية في سبتمبر/ أيلول الماضي أثبتت عجزها عن فرض هذا المطلب على إسرائيل فكيف يمكنها أن تفرض حلاً يقوم على إقامة دولتين مثلاً.

يا للمهزلة، الولايات المتحدة بعظمتها وقوتها وجبروتها تضطر للتنازل عن طلب تجميد الاستيطان أو تعليقه، ما يثبت واحداً من أمرين: إما أن الإدارة الأمريكية عاجزة وغير قادرة على ممارسة ضغوط على إسرائيل، وإما أن كل ما قيل من كلام عن اسلوب أمريكي جديد، ومبادرة جديدة، وتغيير في طريقة التعاطي مع إسرائيل، مجرد مرحلة جديدة من الخداع، وإطلاق أوهام حلول.

إذن، لماذا تأتي هيلاري؟ ولماذا يواصل ميتشل مشوار الخيبة، ما دام المكتوب معروفاً من عنوانه: إسرائيل لن تقدم شيئاً ولا حتى وقف الاستيطان. بل على العرب أن يتنازلوا ويفاوضوا وفقاً للشروط الإسرائيلية، أي السلام مقابل السلام، والمحصلة هي الاستسلام.

إسرائيل تعرف، وبالطبع أمريكا، أن الأكثر قدرة على تقديم التنازلات هم العرب، لأنهم تخلوا عن كل أوراق القوة لديهم، وجيّرت الولايات المتحدة كل شيء لمصلحة إسرائيل.

تأتي كلينتون ولا تأتي.. كله سيان ما دام كل شيء يصبّ في الطاحونة الإسرائيلية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"