ماذا تعني الهبَّة الفلسطينية؟

04:00 صباحا
قراءة 2 دقيقة
لم يأت وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى المنطقة لتهدئة الوضع في الأرض الفلسطينية المحتلة، من خلال إلزام «إسرائيل» بالتخلي عن سياسة البطش التي تمارسها ضد الشعب الفلسطيني؛ بجيشها وقطعان مستوطنيها، ووقف تدنيسها للمقدسات الإسلامية.. كيري حط رحاله في المنطقة من أجل وقف هبَّة الشباب الفلسطيني ضد الاحتلال ليس إلّا، لأن تصاعدها واتساعها، وعدم القدرة على ضبطها؛ يعني أن الأمور خرجت من يدها، ولم يعد بإمكانها تحديد مسار سياساتها في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، من حيث قدرتها على مواصلة ممارسة لعبة «الوسيط المخادع»، وشراء الوقت لحساب «إسرائيل» كي تستكمل خطط التهويد والاستيطان تحت خيمة المفاوضات الوهمية البائسة.
إن وقف الهبَّة الشبابية الشعبية الحالية المنفلتة من قيود السلطة والتنظيمات المعروفة؛ مسألة في غاية الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة و«إسرائيل»، خصوصاً أنها تُجرى على امتداد الوطن الفلسطيني، من النهر إلى البحر، مستخدمة أبسط وسائل المقاومة مثل الحجارة والسكاكين في مواجهة قوة عسكرية عاتية وباطشة، الأمر الذي يعرّيها أمام العالم كقوة احتلال، ترفض الامتثال للشرعية الدولية وقراراتها التي تلزمها بإنهاء احتلالها، وإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه الشرعية على أرضه.
إنّ استمرار الهبّة الفلسطينية السلمية وعدم القدرة على لجمها يضع «إسرائيل» أمام واقع غير مسبوق، يكشف عن أن كل ما تمتلكه من قوة وآلة عسكرية متطورة لا تستطيع توفير الأمن لمستوطنيها، وبذلك يفرض الشعب الفلسطيني معادلة ميدانية جديدة، وهي: "لا أمن للمستوطنين في كل فلسطين المحتلة مادام الشعب الفلسطيني بلا أمن وحقوق، ومادامت «إسرائيل» تسعى بدعم أمريكي مكشوف إلى فرض أمر واقع ينتهي بتصفية القضية الفلسطينية".
جاء الوزير الأمريكي كي يمارس ضغوطه في أكثر من اتجاه، لوأد الهبّة الفلسطينية، وتقديم وعود تهدئة مشكوك في صدقيتها، بعد أن نفى بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الكيان أن يكون قد قدم أي تعهد له، ما وضع الأمور في نصابها، وجعل الوعود الأمريكية نوعاً من المخاتلة، في تبادل للرياء بين نتنياهو وكيري.. لعل ذلك ينطلي على الشعب الفلسطيني.
إن الشباب الفلسطيني الذي يتولى الهبّة الحالية ويقودها، قد تمرد على الخيارات التي تحاول «إسرائيل» والولايات المتحدة والسلطة والفصائل الفلسطينية فرضها، وفق أجنداتها الخاصة، وقرر أن يتولى الأمر بيديه، فهو الذي يعيش مرارة الاحتلال والعدوان والبطش والتهويد واتساع الاستيطان، وهو الذي يكابد ويعاني، وهو الذي يراقب منذ أكثر من عشرين عاماً مفاوضات عبثية بلا جدوى، يشارك فيها طرف فلسطيني مهيض الجناح يخضع للابتزاز والتخويف، وشروط اتفاقية أوسلو التي فرطّت بالحق الفلسطيني، وأعطت «إسرائيل» ما لا تستحقه.. وكل ذلك يُجرى في ظل مصادرة أمريكية للقضية وشروط تسويتها لحساب الكيان، وفي ظل انكفاء عربي مريب عن قضية، يجب أن تكون أم القضايا بالنسبة لكل العرب والمسلمين.
الهبّة الفلسطينية أعادت الأمور إلى نصابها، كي يتولى الشعب الفلسطيني قضيته بيديه.. ويبدأ الصراع من أول السطر، ولدى هذا الشعب من القدرة والقوة والإرادة وروح التضحية والفداء، ما يجعل كثيرين يعيدون النظر بكل حساباتهم.
شعب أعزل.. في مواجهة قوة عنصرية عاتية، لابد أن يُسجل في سفر التاريخ أن آخر شعب محتل لابد أن ينتصر طال الزمن أم قصر.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"