الشارقة:عثمان حسن

«البندقية بلا شعر، البندقية بلا فكر، البندقية بلا حضارة، هي قطعة من الحديد، وقطعة من النار لا روح لها، ولا قلب، ولا عقل، هكذا تم اللقاء بين القصيدة وبين البندقية، وانطلقت القصيدة والبندقية لتكملا مسيرة هذه الثورة».
هكذا كان الشاعر والمسرحي الفلسطيني معين بسيسو، يربط بين قوة الكلمة، والنضال المقاوم على الأرض، بوصف ذلك ينطلق من رؤية وتجربة حضارية وثقافية واعية، فالمقاومة من خلال القصيدة، لا تقل أثراً عن التجربة النضالية باستخدام السلاح، وكلاهما «الشعر والبندقية» عنصران ارتبطا بقوة معنوية تليق بصاحب الأرض، ضد عدو غاصب، وهمجي، ليس له أرض، ولا ثقافة، ويعبر بسيسو عن ذلك بطريقة أوضح، بسرد حكاية عن طفولته في غزة، ودخوله إلى المدرسة الوطنية، التي كانت بجانب كومة من الحجارة، وتحت الكومة ثمة «قبة» يشير إليها الأهالي بقولهم: هنا، يرقد شمشون،
يقول بسيسو: «أعتقد أن الجميع تعرف على قضية الفلسطيني مع شمشون «الإسرائيلي»، الذي لم يكن يملك غير عضلاته وغير قوته الجسدية، لم يكن يملك حضارة، ولم يكن يملك ثقافة، كان يملك عضلات، ويملك تلك القوة الهمجية التي يحاول أن يفرض بها سيطرته، وانتهى الأمر بشمشون أن سقط، وتحول إلى تلك الكومة من الحجارة، هذه الكومة من الحجارة، هذه الأنقاض التي تمثل نهاية كل طاغية لا يملك ما يقدمه للبشرية غير قوته الفولاذية، هي التي علمتني أول درس في الشعر وفي الثقافة».
ظلت هذه الرؤيا ترافق بسيسو، وظل يتفاعل معها، حتى كتب أول القصائد التي يعتز بها كثيراً، حتى أن الكثير من النقاد، ومن بسطاء الناس يعتبرون أنها كانت راية صغيرة أو ريشة صغيرة في جناح هذا الطائر الكبير الذي نطلق عليه الشعر العربي الحديث.
ولا يزال بسيسو يذكر هذه القصيدة التي يقول فيها:
أنا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح
واحمل سلاحي لا يخفك دمي يسيل من السلاح
وانظر إلى شفتي أطبقتا على هوج الرياح
وانظر إلى عيني أغمضتا على نور الصباح
أنا لم أمت أنا لم أزل أدعوك من خلف الجراح
هذا هو معين بسيسو، الذي خاض درباً طويلاً من النضال بقوة الكلمة، فهو رفيق رحلة التشرد، وصديق المناضلين، الذي كان يؤمن بضرورة قهر الظلم، ورحيل العدو الغاصب، وهذه الرؤيا أو القناعة كبرت مع الطفل، الذي ولد في غزة بمحاذاة البحر، ومن تلك الزاوية الصغيرة على خريطة العالم، بزغت أول فكرة عن الشعر، كتمرين صغير لطفل يحاول أن يتعلم السباحة في البحر، هنا، تتشكل رؤية ثانية، عن تمرين الكتابة والشعر، يقول بسيسو: «يكبر الطفل وتكبر الأرض مع الطفل، ويكبر البحر مع الطفل ويبدأ - إن صح التعبير - في ممارسة تمارين جديدة في السباحة في هذا البحر الأبيض المتوسط، أو البحر الأزرق المتوسط الذي اسمه الشعر».
ولكن، هل كان خيار الشعر سهلاً بالنسبة لبسيسو، من المؤكد أن طريقه كانت صعبة وشائكة، ومن المؤكد كذلك، أنه كان معنياً بما يجري حوله، ثمة جنود غاصبون مدججون بالسلاح، وثمة أرض مغتصبة عنوة، بقوة السلاح وبطش الأعداء، فما الذي سيكتبه الشعر؟ وما الذي سيعنيه وصف الحادثة، إن لم يكن للشعر تلك القوة الجبارة على التصدي والمقاومة؟
كلها أسئلة، وعاها بسيسو في بواكير تجربته الشعرية، حيث يقول: «حينما تريد أن تكتب، عليك أن تتعلم كيف تسبح في الحبر، ولكن السباحة في قطرة من الحبر أكثر خطراً على الشاعر من السباحة في البحر، يجب أن تكون صادقاً مع نفسك ومع الآخرين، حينما تريد أن تكتب، الشاعر كمتسلق الجبال يسقط ويصعد، ويصعد ويسقط، وعليه أن يواصل الصعود حتى يصل إلى تلك القمة، التي بعدها لا يكون هناك راحة أو استقرار».
كبر بسيسو، وصار رمزاً شعرياً، وصار مناضلاً، وصار المعتقلون الفلسطينيون، يرددون قصائده، ويكتبونها على جدران السجن، ومن ذلك قصيدته «نعم لن نموت» التي يقول فيها:
نعم لن نموت ولكنَنا/ سنقتلع الموت من أرضنا/ هناك هناك بعيداً بعيد/ سيحملني يا رفيقي الجنود/ سيلقون بي في ظلام رهيب/ سيلقون بي في جحيم القيود/ نعم لن نموت ولكننا/ سنقتلع الموت من أرضنا/ أنا الآن أشعر أني قوي/ وأني سأهزم زنزانتي/ نعم لن نموت نعم سوف نحيا/ ولو أكل القيد من عظمنا/ ولو مزقتنا سياط الطغاة/ ولو أشعلوا النار في جسمنا/ نعم لن نموت ولكننا/ سنقتلع الموت من أرضنا.
كبر بسيسو، ووعى قضيته، ووعى مشروعه النضالي من خلال الشعر، والشاعر الفلسطيني بنظر بسيسو كان دائماً صديقاً لفلسطين، كان دائماً صديقاً لهذه الأرض، لم يكن نباتاً شيطانياً، لم يترعرع بلا جذور، ولم يسقط في طائرة «هليوكوبتر» أو تقذف به غواصة على شاطئ فلسطين، ويقول في هذا الصدد: «نحن نعتز كثيراً بالجذور التي ترعرعنا عليها، هذه الجذور التي ينتمي إليها شاعرنا الكبير إبراهيم طوقان، وشاعرنا الكبير الشهيد عبد الرحيم محمود الذي كان أول شاعر عربي يسقط في المعركة، والبندقية في يده».
كتب بسيسو قبل وفاته بعام واحد قصيدة طويلة، عبارة عن ملحمة شعرية جميلة في ألف بيت، بعنوان «قصيدة في زجاجة» يقول فيها:
سفر سفر/ موج يترجمني إلى كل اللغات وينكسر/ موجاً على كل اللغات وأنكسر/ سطراً.. سطراً/ سفر.. سفر/ سفن كلاب البحر/ أشرعة السفن/ وطن يفتش عن وطن/ زمن زمن/ زمن تكون به وحيداً/ كالفراشة في سحابة/ يا من يسمنني بأشرعتي وأجنحتي/ لسكين الرقابة/ تحيا الكتابة/ تحيا الرقابة/ يحيا على فمي الحجر/ سفر.. سفر.
كتب نقاد كثيرون عن شعرية وسيرة معين بسيسو، تلك السيرة التي وصفت بأنها ثرية بالمعاني والدلالات، التي جعلت من الوطن حالة حرية دائمة، لا صورة جامدة وحنيناً صامتاً، ففي كل مرة نقرأ معين بسيسو تتجدد الحياة في الشعر والنثر والمسرح، الذي جعل منه فضاء مميزاً للإبداع والمقاومة.
صدر لبسيسو الكثير من الأعمال الشعرية، منها: (المعركة) وهو أول دواوينه الشعرية 1952م، (فلسطين في القلب) 1960م، (مارد من السنابل) 1967م، (الأشجار تموت واقفة) 1964م، (كرّاسة فلسطين) 1966م، (قصائد على زجاج النوافذ) 1970م، (الآن خذي جسدي كيساً من رمل) 1976م.
وفي المسرح صدر له: (مأساة جيفارا) 1969م، (ثورة الزنج) 1970م، (شمشون ودليلة) 1970، (العصافير تبني أعشاشها بين الأصابع) وغيرها الكثير.