عادي
نساء رائدات

إليزابيث بلاكويل أول طبيبة أمريكية

03:21 صباحا
قراءة 8 دقائق
إعداد: عثمان حسن
«ذهني مشغول بالكامل. ليس لدي أدنى تردد في الموضوع؛ الدراسة الشاملة للطب، أنا مصممة تماماً على المضي قدماً. الرعب والاشمئزاز ليس لدي شك في هزيمة هذا كله، لقد تغلبت على أحقاد أقوى من من ذلك، وأشعر بأني سأخوض هذا السباق حتى النهاية..» هذا بعض ما دونته إليزابيث بلاكويل أول طبيبة أمريكية، وأول من يدون اسمها في سجل المجلس الطبي العام، لعبت دوراً في بدايات حياتها كمصلحة اجتماعية وأخلاقية في كل من بريطانيا والولايات المتحدة، وكانت رائدة في تشجيع النساء؛ لتعلم مهنة الطب.

ولدت إليزابيث في 3 فبراير/‏‏‏شباط 1821، في بريستول، إنجلترا، ووالدها هو صمويل بلاكويل، الذي كان يملك معملاً لتكرير السكر، أما والدتها فهي حنا (لين) بلاكويل.

لديها شقيقتان أكبر سناً؛ هما: آنا وماريان، وستة من الأشقاء والشقيقات الأصغر سناً؛ وهم: صموئيل، وهنري وإميلي (وهي ثالث امرأة تحصل على شهادة طب في أمريكا وسارة إيلين (كاتبة)، وجون وجورج.

في بداية حياتها لم تبد اهتماماً بمهنة الطب، مارست التعليم كمهنة تلائم زمنها؛ ولإعالة أسرتها، غير أن هذا الاهتمام ألح عليها بقوة بعد مرض إحدى صديقاتها التي أسرت لها بأنه لو كانت طبيبتها امرأة لربما لم تتألم كثيراً.

في عام 1832، هاجرت العائلة من بريستول إلى نيويورك، بعد أن فقد والدها مصنعه؛ جرّاء حريق.. أصبح والدها ناشطاً في مجال إلغاء عقوبة الإعدام. وكانت العائلة في الأغلب تناقش قضايا حقوق المرأة والعبودية وعمالة الأطفال على مائدة العشاء.

كان والدها يتبنى موقفاً ليبرالياً في تعليم أولاده. ويؤمن بضرورة تعليم الأطفال والبنات على عكس ما كان سائداً في المجتمع المحافظ حينذاك، وعلى هذا الأساس فقد كانت بلاكويل تحظى بمشرفة ومعلمة في البيت تساعدها على تطور نضوجها الفكري.

في ال17 من عمرها انتقلت مع عائلتها إلى سينسيناتي بولاية أوهايو. وفي هذه السن توفي والدها تاركاً للعائلة القليل من المال.

بدأت بلاكويل بالتقدم إلى كليات الطب، وفوجئت بتحيز الرجال ضد النساء لدخول هذا المجال، فتم رفضها من كل كلية طب تقدمت إليها، باستثناء كلية الطب بجنيف؛ حيث صوت الطلاب الذكور على قبول بلاكويل. في عام 1847، أصبحت بلاكويل أول امرأة تلتحق بكلية الطب في الولايات المتحدة.

كانت أطروحتها الأولى حول حمى التيفوئيد، ونُشرت عام 1849 في مجلة بوفالو الطبية، بعد تخرجها بفترة قصيرة، وكانت أول مقالة طبية تنشرها طالبة في أمريكا وتصور من خلالها تعاطفاً قوياً تجاه المعاناة الإنسانية، فضلاً عن الدعوة للعدالة الاقتصادية والاجتماعية. واعتبر المجتمع الطبي المقالة أنها تحمل منظوراً أنثوياً خالصاً.

أسست بلاكويل أيضاً أول مستوصف طبي في نيويورك للمرأة والطفل مع شقيقتها إميلي في عام 1857، وبدأت في إلقاء محاضرات خاصة بجمهور النساء حول أهمية تعليم الفتيات. ولعبت دوراً مهماً في تنظيم الممرضات للمشاركة في معالجة الجرحى خلال الحرب الأهلية الأمريكية.

بلوغ مبكر

بسبب الحاجة إلى المال، بدأت شقيقتاها القيام بعمل متواضع؛ حيث أسستا أكاديمية لتعليم الإنجليزية والفرنسية للشابات، وكان هذا العمل يكفي الشقيقات لتوفير مستلزمات العيش ومواصلة تعليمهن، وهي المرحلة التي أجلت خلالها إليزابيث نشاطها الاجتماعي، تحولت إليزابيث إلى الأسقفية، وفي ديسمبر/‏‏‏كانون الأول 1838، أصبحت عضواً نشطاً في كنيسة سانت بول الأسقفية. ثم تحولت عن الأسقفية؛ بسبب المتشدد ويليام تشانينج في عام 1839 الذي كان يمتلك نزعة متعالية مع بلاكويل، وتسبب في فقدان الأكاديمية العديد من التلميذات في عام 1842. بدأت بلاكويل في إعطاء دروس خصوصية، وقد جدد الموقف السلبي لتشانينغ من إصرار بلاكويل على التعليم والإصلاح. فتشجعت على دراسة الفكر والفنون وكتابة القصص الأدبية وحضور الجلسات الدينية لمختلف الطوائف.

في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر، بدأت في التعبير عن أفكارها حول حقوق المرأة في مذكراتها، ورسائلها، وشاركت في حملة هاريسون السياسية عام 1840.

في عام 1844، وبمساعدة شقيقتها آنا، حصلت على وظيفة تدريس وفرت لها مبلغ 1000 دولار سنوياً في هندرسون، كنتاكي.

إصرار على دراسة الطب

مرة أخرى، من خلال شقيقتها آنا، أدارت عملاً وهذه المرة من خلال تدريس الموسيقى في أكاديمية في آشفيل، نورث كارولينا؛ بهدف توفير ما يصل إلى 3000 دولار تلزم لتغطية نفقاتها لدراسة الطب. التقت بالقس جون ديكسون، الذي صادف أنه كان طبيباً قبل أن يصبح رجل دين. وافق ديكسون على تطلعات بلاكويل المهنية، وسمح لها باستخدام الكتب الطبية في مكتبته، خلال هذه الفترة هدأت شكوك إليزابيث واقتنعت بخيارها حول دراسة الطب، وأيضاً عزمها على التأمل الديني العميق الذي يبدو أنه جدد اهتمامها بمكافحة الرق، فبدأت ذلك بمدرسة يوم الأحد الذي خصصته لتوعية العبيد، وهو الأمر الذي لم يتسن له النجاح.

أغلقت مدرسة ديكسون بعد فترة وجيزة، وانتقلت بلاكويل إلى مقر إقامة شقيق القس ديكسون، صامويل ديكسون، وهو طبيب بارز في تشارلستون. بدأت التدريس في عام 1846 في مدرسة داخلية في تشارلستون تديرها دو بري. بمساعدة شقيق القس ديكسون، تساءلت بلاكويل عن إمكانية إجراء دراسة طبية عبر الرسائل، ولم تتلق أي رد إيجابي. في 1847، غادرت تشارلستون إلى فيلادلفيا ونيويورك؛ بهدف الحصول على فرصة الدراسة الطبية. كانت رغبتها الأعظم أن يتم قبولها في إحدى كليات الطب في فيلادلفيا.

كتبت تقول: «ذهني مشغول بالكامل. ليس لدي أدنى تردد في الموضوع؛ الدراسة الشاملة للطب، أنا مصممة تماماً على المضي قدماً. الرعب والاشمئزاز ليس لدي شك في هزيمة هذا كله، لقد تغلبت على أحقاد أقوى من من ذلك، وأشعر بأني سأخوض هذا السباق حتى النهاية، بالنسبة لرأي الناس، فأنا لا أهتم بذرة واحدة مما يقولون، فقد تعرضت لكثير من الأذى؛ بسبب الواقع السياسي، وأنا مصرة على مواصلة طريقي؛ لأني تعلمت كيف يسعى الآخرون دائماً لمحاربتك بممارسة أشكال من العنف غير المقبول أو المبرر».

عند وصولها فيلادلفيا، ساعدها الدكتور ويليام إلدر، على دراسة علم التشريح مع الدكتور جوناثان ألين، وأثناء محاولتها وضع قدمها للالتحاق بأية مدرسة طبية هناك قوبلت بالمقاومة في كل مكان تقريباً. أوصى معظم الأطباء بأنها إما أن تذهب إلى باريس للدراسة أو أن تتنكر بزي رجل لدراسة الطب. كانت الأسباب الرئيسية التي قدمت لرفضها هي: كانت امرأة، وبالتالي فهي أدنى من الناحية الفكرية، وقد تثبت فعلياً أنها مساوية للمهمة، وتثبت نجاحها في المنافسة، وهي لا تستطيع أن تتوقع منا أن نقدم لها «العصا» لتكسر رؤوسنا بها.

في الولايات المتحدة

في أكتوبر/‏‏‏تشرين الأول 1847، تم قبول بلاكويل كطالبة طب في كلية هوبارت بنيويورك (كلية جنيف الطبية لاحقاً)، لم يتمكن العميد وأعضاء هيئة التدريس، الذين هم المسؤولون من تقييم مقدم الطلب، واتخاذ قرار للحصول على امتحان القبول بالجامعة؛ بسبب كونها أنثى. طرحوا القضية للتصويت من قبل الطلاب الذكور البالغ عددهم 150 طالباً بشرط أنه في حال اعتراض أحد الطلاب، سيتم رفضها وكانت المفاجأة أن صوّت الشباب بالإجماع على قبولها.

عندما وصلت إلى الكلية، أصابها التوتر، فلم يكن أي شيء مألوفاً - البيئة المحيطة والطلاب وأعضاء هيئة التدريس. لم تكن تعرف من أين تحصل على كتبها. ومع ذلك، سرعان ما وجدت نفسها في مكانها في كلية الطب. نظر إليها سكان جنيف بغرابة، رفضت العشاق والأصدقاء، مفضلة العزلة، في فصل الصيف بين فترتي إقامتها في جنيف، عادت إلى فيلادلفيا، وبقيت مع الدكتور إلدر، وطلبت تدريباً طبياً في المنطقة؛ لاكتساب خبرة سريرية. منحت «وصاية على الفقراء»، من قبل لجنة تديرها بلوكلي ألمسهاوس في المدينة، لم يكن ذلك بدون عناء، حصلت على القبول في بلوكلي، ظل بعض من الأطباء المقيمين يرفضون مساعدتها في تشخيص مرضاها وعلاجهم. خلال فترة وجودها هناك، اكتسبت خبرة سريرية قيِّمة؛ لكنها ذعرت بعد رؤيتها جناح الزهري والأشخاص المصابين بالتيفوس. كانت أطروحتها للتخرج في كلية جنيف الطبية حول موضوع التيفوس. ربطت هذه الأطروحة بين الصحة الجسدية والاستقرار الاجتماعي والأخلاقي.

في 23 يناير/‏‏‏كانون الثاني 1849، أصبحت بلاكويل أول امرأة تحصل على شهادة الطب في الولايات المتحدة. أوردت الصحافة المحلية خبر تخرجها بترحاب، وعندما منحها العميد الدكتور تشارلز لي شهادة التخرج وقف وانحنى لها.

في أوروبا

في إبريل/‏‏‏نيسان عام 1849، اتخذت قراراً بمواصلة دراستها في أوروبا. زارت بعض المستشفيات البريطانية، ثم توجهت إلى باريس. كانت تجربتها هناك مماثلة لتجربتها في أمريكا؛ تم رفضها من قبل العديد من المستشفيات؛ بسبب جنسها. في يونيو/‏‏‏حزيران، التحقت بمستشفى لا ميرتينيه، بشرط أن تعامل كقابلة وليس طبيبة. تعرفت إلى الطبيبة المقيمة هيبوليت بلوت، اكتسبت خبرة طبية كبيرة؛ من خلال التوجيه والتدريب. بحلول نهاية العام، كان بول دوبوا، أخصائي التوليد قد عبر عن رأيه في أنها ستكون أفضل طبيبة توليد في أمريكا بين الذكور والإناث.

التحقت بمستشفى سانت بارتولوميو في لندن في عام 1850. وكانت تحضر بانتظام محاضرات جيمس باجيت. لقد تركت انطباعاً إيجابياً هناك، على الرغم من أنها واجهت بعض المعارضة عندما حاولت مراقبة الأجنحة بالمستشفى.

في أمريكا حصلت على بعض الدعم الإعلامي من صحيفتي «نيويورك» و«تريبيون» وكان لديها عدد قليل جداً من المرضى، الأمر الذي عزته إلى التوجه العام لعمل الطبيبات في مهنة الإجهاض.

في عام 1852، بدأت بإلقاء محاضرات ونشرت كتابها «قوانين الحياة» مع إشارة خاصة إلى التربية البدنية للفتيات، وهو أول مجلد لها عن التطور البدني والعقلي للفتيات وتأهيلهن للأمومة.

كلية طب المرأة بنيويورك

في 1853، أسست مستوصفاً صغيراً بالقرب من ميدان تومبكينز، وهو خاص بالنساء والأطفال المعوزين. ووظفت البولندية ماري زكرزفيسكا، التي كانت تتابع تعليمها الطبي، وشغلت منصب مديرة مساعدة لبلاكويل في دراسات ما قبل الطب. في عام 1857، قامت: زاكرزفيسكا، وإليزابيث وشقيقتها إميلي، بالعمل بالمستوصف الملحق بمستشفى نيويورك. عملت النساء في مجلس الأمناء واللجنة التنفيذية وكطبيبات مقيمات وقبلت المؤسسة المرضى من داخل المنطقة وخارجها وكان المستوصف مرفق تدريب للممرضات.

في لندن

في عام 1874، أنشأت مدرسة طب للسيدات في لندن مع صوفيا جكس بليك، التي كانت طالبة بمستشفى نيويورك قبل سنوات. كان لدى بلاكويل شكوك حولها بوصفها شرسة وخطرة، ومع ذلك انخرطت بعمق في المدرسة، وافتتحت في 1874 مدرسة لطب النساء في لندن، وقد عارضت بشدة استخدام التشريح في مختبر المدرسة.

انتخبت بليك رئيسة للمدرسة بعد أن فقدت إليزابيث سلطتها، واكتفت بتعليم القبالة، ثم استقالت من هذا المنصب، وتقاعدت رسمياً من عملها الطبي في 1877.

وفاتها

كانت بلاكويل، في سنواتها الأخيرة، لا تزال نشطة نسبياً. في عام 1895، نشرت سيرتها الذاتية، العمل الرائد لإتاحة تعلم الطب للنساء، وقضت وقتاً أطول في السفر. زارت الولايات المتحدة في عام 1906، وأثناء إجازتها في كيلمون باسكتلندا في عام 1907، سقطت على الأرض مما تسبب بإعاقتها جسدياً وعقلياً وفي 31 مايو/‏‏‏أيار 1910، توفيت في منزلها في هاستينغز، ساسكس، بعد تعرضها لجلطة دماغية أصابت نصف جسدها بالشلل. ودفنت في مقبرة كنيسة أبرشية سانت مون، كيلمون.

تكريمات

كرمت بلاكويل من مؤسسات أكاديمية وعلمية كثيرة، مثل كلية هوبارت وسميث، الاسم الحالي لكلية جنيف الطبية، وكرمتها جامعة ولاية نيويورك في سيراكيوز، ومنذ عام 1949، بدأت جمعية الطبيات الأمريكيات بمنح ميدالية إليزابيث بلاكويل سنوياً لطبيبة تقدم إسهامات عظيمة في مهنة الطب، وفي عام 1973، دخل اسمها سجل قاعة مشاهير المرأة في أمريكا، وقد أقامت كلية هوبارت وسميث تمثالًا في الحرم الجامعي لتكريم بلاكويل. وفي 2013، أطلقت جامعة بريستول «معهد إليزابيث بلاكويل»

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"