عادي

حارب الظاهري.. سارد يقرأ الوجوه والحياة

وجوه من الإمارات
02:20 صباحا
قراءة 4 دقائق
الشارقة: علاء الدين محمود

الاشتغال على اللغة المتحررة من شوائب الواقع المرير، والمتجردة من الضجيج، هو العنوان العريض لمشروع سردي لكاتب جميل من مبدعي الإمارات، وهو حارب سعيد الظاهري، القاص والروائي والشاعر، والذي يقبل على لعبة السرد بالتعلم من الصمت وحكمته، وهي الأداة التي تسبق هطول الكلمات على الورق، فعبر الصمت يقرأ الحياة والوجوه و«الذوات المتناكفة»، على حد تعبيره، تلك العوالم التي يخترقها بالتروي والتأمل، لتصبح ضمن أعماله القصصية.
صمت الظاهري يتيح له مراقبة الزمن فتمر به صور الحياة، وتلوّن الأشياء من حوله، ما يمنحه متعة التنزّه في عقول الآخرين، فالصمت بالنسبة له: «تحصيل للمعرفة وتخصيب للرؤى، فكل شيء جميل يبدأ بالصمت هذا النسيج المتشكل من لغة التأمل والإبداع»، حتى إذا ما جاءت لحظة الكتابة أتت محتشدة بالإشراق ولمعان المعنى، وتلك هي رؤية الظاهري في الكتابة والحياة.
عانق الظاهري الكتابة باكراً، فقد شكلته البيئة بكل رموزها من بحر وصحراء، وأعدته ظروف الحياة، لأن يكون شديد العزم في شق طريقه، وذلك يشير إلى قوة التجربة وثراءها، فقد اجتهد في الاشتغال على نفسه وموهبته فقد كان شديد الشغف بالقراءة والاطلاع، فكان يتجول بين المكتبات والأسواق في صغره لشراء الكتب والمجلات، وقد لعب مدرسوه دوراً كبيراً في تشجيعه على القراءة، رغم معارضة الأهل الذين كانوا يدفعونه إلى الاعتماد على نفسه باعتباره الابن الأكبر، لكنه كان متفوقاً في الدراسة، وأظهر نبوغاً في كتابة الخواطر والرسائل، فكانت تلك هي اللبنة الأولى في مسيرة واحد من أهم أركان السرد في الإمارات، فقد كانت أولى تجاربه مع الكتابة في مجلة «ماجد»، و«الدرع»، ثم «زهرة الخليج»، وهي محطات أثرت تجربته ومكنته من أدوات السرد، إضافة إلى أسفاره الباكرة، الأمر الذي مكنه من التعرف إلى واقع جديد وثقافات مختلفة، فولج إلى الكتابة الشعرية ثم القصصية وهو مسلح بالمعارف والأدوات.
وقد كان الواقع الاجتماعي في ذلك الزمان هو جزء شديد الأهمية في مواضيعه السردية، التي أثراها برصد المتغيرات الكبيرة في مرحلة التطور وحياة المدنية والحضارة، فصارت تحولات المكان والإنسان وتفاصيل هذه الحياة الجديدة جزءاً من مواضيعه في القصة القصيرة والشعر والرواية، وكذلك المقالة الصحفية، فالرجل متعدد المواهب كتب الشعر فكان له العديد من المجموعات الشعرية مثل: «قبلة على خد القمر»، و«شمس شفتيك»، وغيرها، وكلها تشير إلى نضوج كبير على مستوى الأسلوب واللغة والمفردة الشعرية، حيث دخل إلى عوالم الشعر بخيال جامح لا يهدأ يقول عن تجربته الشعرية: «الشعر لا ينسى، ويصعب هجره فهو الذي يجمل قتامة الحياة، ولكن في هذا الزمن المتسارع، يصعب التركيز على أكثر من جنس أدبي واحد».
خيط رفيع يفصل بين عوالم الظاهري الإبداعية مع وجود أكثر من ناظم واحد مثل اللغة الشاعرية والقدرة على الرصد والتصوير، فقد انتقل بالأسلوبية الشعرية إلى عوالم السرد والتي أستقر فيها، حيث أبدع في هذا الحقل، ورفد الساحة بعدد من المجموعات القصصية كل واحد منها تتفوق على الأخرى جمالاً وألقاً واحتشاداً بالمعنى وقوة في التصوير والتجريد في كثير من الأحيان، ومن هذه المجموعات تبرز: «مندلين» و«نبض الروح»، «وليل الدمى»، وهي أعمال تعبر بالفعل عن تجربة مختلفة وفريدة، ولئن كان الظاهري قد نفح على الكتابة القصصية أسلوبه النظمي عبر مقاطع شعرية مكثفة تلخص الحياة والواقع ومشاهدات الكاتب وتأملاته؛ فإنه أيضاً قد استخدم التصوير، لتأتي قصصه وكأنها ألبوم من الصور النابضة بالحياة، وفي سردياته كذلك نطل على عوالم خفية صعبة الإدراك، لكن الكاتب يلقي عليها ضوءاً كثيفاً وكأنه يطرح قضية أو قضايا تخص المجتمع، ومع ذلك فهو لا يضيع اللحظة الجمالية.
وأخيراً يلقي الظاهري عصاه في حقل الرواية ويستقر فيها، ففي عام 2015، أصدر أول أعماله الروائية، وهو«الصعود إلى السماء»، وهو نص سردي حاشد بالأبعاد الروحية والتأملية والمقولات الفلسفية إضافة إلى تناوله للواقع المعيش، ويقول الظاهري:«عنونت عملي بالصعود إلى السماء، أو هذا ما يراود أبطال الرواية دون الإحساس الفعلي بيقظة الصعود، فمارس النص عليهم فعل السفر والصعود»، ثم ينتج كاتبنا رواية أخرى بعنوان «عين الحسناء»، تتناول مدينة العين، يطل فيها على ثيمة المكان، ويرصد خلالها الحياة القديمة، فالماضي دائماً يحاصر كتابات الظاهري، الذي يقول:«المكان فيه روح وأشخاص والرواية ترصد كل ذلك في سياق تناولها للظواهر والشخوص والجماعات والبيئة في الماضي بأسلوب شاعري»، ويبدو الظاهري مهتم جداً بالمتغيرات الكبيرة التي تحدث في المدن، فهي شديدة الحراك في هذا الزمن بعكس السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ويرى أن هذه السرعة مربكة وتمنع من الإمساك بلحظة الكتابة، فالمدن في الإمارات وربما منطقة الخليج متغيرة، وكذلك اللغة متغيرة هي الأخرى، فهنالك أمواج من اللهجات، وهذا ما يقود الكاتب في كثير من الأحيان إلى استدعاء الماضي، لكن كاتبنا لن يغرق في أجواء الحنين في مشروعه الروائي الذي استقر فيه، بل تتعدد مواضيعه، ويقول الظاهري متحدثاً عن الانتقال إلى عالم الرواية:«لقد بدأت بالخواطر الشعرية، والقصة القصيرة، وتطورت معي الأجناس الأدبية، ودخلت عامل التجريب في الرواية بعد سنوات طويلة وها أنا الآن أستقر في عالم الرواية».


إطلالة على العالم


يكتب الظاهري المقال بروح الشاعر، ولكن في المقال تحضر بقوة المواقف الفكرية والفلسفية، وفي المقال يمارس فعل التنقيب والبحث في الظواهر ودلالات الأشياء، ويطل ويتناول الواقع اليومي، ويمارس التحليق بالخيال إلى عوالم غير مطروقة، فهو يناقش قضايا محلية وعالمية عن الإنسان في كل مكان، مع تأكيد الخصوصية الثقافية والاجتماعية، ولنا أن نقول إن تجربة الكتابة الصحفية أسهمت بشكل كبير في تمتين أدواته السردية، وجعلت له شخصيته الخاصة في الكتابة، يقول الظاهري عن تجربة المقال الصحفي:«يمكنني من الإطلال على الأحوال الثقافية، وما يجري في مؤسساتها، وكيفية اتخاذ القرارات في ما يتعلق بالثقافة، وكذلك هو أداة لنقل تجارب السفر والالتقاء بالأشخاص والعوالم الجديدة، بالتالي فهو وسيلة مميزة اقتحمت من خلالها الكثير من العوالم، ولم يفارقني أسلوبي الأدبي».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"