ولدت مارغريت سانجر في ذروة قانون كومستوك، وهو قانون اتحادي يجرم وسائل منع الحمل. اعتقدت أن الطريقة الوحيدة لتغيير القانون هي كسره. ابتداء من عام 1910، تحدت بحماسة لافتة قوانين كومستوك الفيدرالية، مطالبة بتوفير وسائل منع الحمل للنساء.. كان طموحها المتقد حديث المجتمع الأمريكي، نذرت نفسها للتخفيف من معاناة النساء؛ جرّاء مشقة حملهن المتكررة.. انبثق هذا النشاط من مأساة شخصية، فهي واحدة بين 11 طفلاً لعائلة كاثوليكية أيرلندية من الطبقة العاملة في كورنينج، نيويورك، في سن ال19 شاهدت والدتها وهي تموت من مرض السل؛ جرّاء إجهادها وهزالها بعد 11 ولادة، و7 حالات إجهاض. في مواجهة والدها على نعش والدتها، انتقدته قائلة: «لقد تسببت في ذلك».
ولدت سانجر باسم مارغريت لويز هيغنز في 14 سبتمبر/أيلول عام 1879 في كورنينج، نيويورك، لأبوين كاثوليكيين أيرلنديين، كان والدها مايكل هينيسي هيغنز من دعاة التفكير الحر، أما والدتها فهي آن بورسيل هيغنز. هاجر والدها إلى الولايات المتحدة، فالتحق بالجيش قارع طبل، في سن ال15 إبان الحرب الأهلية، وحين غادر الجيش درس الطب القديم؛ لكنه أصبح في نهاية المطاف نقاشاً وناحتاً للأضرحة، اتجه للإلحاد، ونشط في مجال حق المرأة في التصويت والتعليم العام المجاني.
كانت سانجر السادسة في ترتيب أشقائها وشقيقاتها ال11 الذين ظلوا على قيد الحياة من أصل 18 ولدتهم أمها التي ماتت وهي في عمر 49 عاماً.
بدعم من شقيقتيها الأكبر سناً، التحقت مارغريت هيجنز بكلية كلافيراك، ومعهد نهر هدسون، قبل التسجيل في عام 1900 في مستشفى وايت بلينز ممرضة متمرنة. في عام 1902، تزوجت من المهندس المعماري ويليام سانجر، وتخلت عن تعليمها؛ بعد أن أصيبت بمرض السل، أنجبت 3 أولاد، وعاشت في آواخر حياتها في ويستشستر، نيويورك.
في عام 1911، بعد أن دمر حريق منزل العائلة في هاستينغز أون هدسون، هاجرت الأسرة لتعيش في مدينة نيويورك. عملت مارغريت سانجر ممرضة زائرة في الأحياء الفقيرة في الجانب الشرقي، بينما عمل زوجها مهندساً معمارياً وقد تشربت أفكار زوجها السياسية، ودخلت معترك السياسة التي تبشر بقيم الانفتاح والحداثة ما قبل الحرب العالمية الأولى، انضمت إلى اللجنة النسائية للحزب الاشتراكي في نيويورك، وشاركت في الحركات العمالية كإضراب نسيج لورنس الشهير في عام 1912 وإضراب الحرير باترسون عام 1913، وانخرطت مع المثقفين المحليين والفنانين اليساريين والناشطين الاجتماعيين، ومن بينهم: جون ريد، ابتون سنكلير، مابل دودج وإيما جولدمان.
مقالات
أدت اهتماماتها السياسية فضلاً عن تجربتها في التمريض لمصلحة الحركة النسوية إلى كتابة سلسلتين من المقالات لمجلة نداء نيويورك الاشتراكية حول التربية الجنسية بعنوان: «ماذا يجب أن تعرف كل أم» (1911-1912) و«ماذا يجب أن تعرف كل فتاة» (1912-1913) ووفقاً لمعايير اليوم، فقد كانت مقالاتها صريحة للغاية، مما أثار غضب الكثير من قرّاء المجلة. غير أن قرّاء آخرين أشادوا بهذه السلسلة؛ لصراحتها وسلامة ما تطرح.
الطبقة العاملة
خلال عملها بين النساء المهاجرات من الطبقة العاملة، التقت مع عدة حالات ممن خضعن لحالات إجهاض متكرر، ولا تتوفر لديهن معلومات حول كيفية تجنب الحمل غير المرغوب فيه. في محاولة لمساعدة هؤلاء النساء، زارت المكتبات العامة؛ لكنها لم تتمكن من العثور على معلومات حول وسائل منع الحمل. وقد تم تجسيد هذه المشكلات في قصة كانت سانجر تعيد سردها في خطبها اللاحقة.
عايشت تجارب العديد من النساء اللواتي خضن تجربة الإجهاض الذاتي وتعرضن لآلام شديدة، وقد عارضت سانجر هذا النوع من الإجهاض؛ لكونه يشكل خطراً على صحة المرأة فضلاً عن كونه ليس قانونياً؛ فسعت إلى تثقيف النساء وتعزيز وعيهن بوسائل منع الحمل خاصة لدى شريحة الطبقة العاملة، فقادت حملة اجتماعية تحد من الرقابة الحكومية على معلومات منع الحمل.
قانون كومستوك
تعد سانجر أول من أشاعت مصطلح «تنظيم النسل» في الولايات المتحدة؛ حيث أسهمت في إنشاء منظمات تطورت لتصبح (اتحاد تنظيم الأسرة في أمريكا)، كما افتتحت أول عيادة؛ لتنظيم النسل في الولايات المتحدة، استخدمت كتاباتها؛ لتعزيز قناعاتها الفكرية في هذا الموضوع، وقد تمت مقاضاتها عن كتابها «قيود الأسرة» بموجب قانون كومستوك في عام 1914، وهو القانون الفيدرالي الذي كان يحظر نشر معلومات حول وسائل منع الحمل بدعوى محاربة الفاحشة.
ساهمت جهودها في حل العديد من المسائل القضائية التي ساعدت في تشريع قوانين أمريكية ذات صلة بتنظيم الأسرة.
أول عيادة
في عام 1916، افتتحت أول عيادة؛ لتنظيم النسل في الولايات المتحدة، في 46 شارع أمبوي في حي براونزفيل في بروكلين، وهي الأولى من نوعها في الولايات المتحدة، مما أدى إلى اعتقالها لتوزيعها منشورات عن منع الحمل، بعد أن اشترت شرطية سرية نسخة من كراسة لها عن تنظيم الأسرة. أثارت تجربتها اللاحقة وتقديمها لطلبات الاستئناف جدلاً واسعاً.
حددت كفالة بمبلغ 500 دولار؛ لإطلاق سراحها، واصلت سانجر اتصالها بالنساء في عيادتها حتى جاءت الشرطة للمرة الثانية. هذه المرة، قبض عليها مع شقيقتها إثيل بيرن؛ لخرقها قانون ولاية نيويورك الذي يحظر توزيع وسائل منع الحمل. ذهبت مع أختها للمحاكمة في يناير/كانون الثاني 1917. أدينت بيرن وحُكم عليها بالسجن لمدة 30 يوماً في ورشة عمل؛ لكنها أضربت عن الطعام. وتم إطعامها بالقوة، وهي أول امرأة تضرب عن الطعام في الولايات المتحدة، وقد تلقت العلاج؛ شرط تعهد شقيقتها بأن بيرن لن تنتهك القانون مجدداً، تم العفو عنها بعد عشرة أيام. عُرضت على سانجر عقوبة أكثر تساهلاً إذا وعدت بعدم خرق القانون مرة أخرى؛ لكنها ردت قائلة: لا يمكنني احترام القانون كما هو قائم اليوم. ولهذا، حكم عليها بالسجن لمدة 30 يوماً في ورشة عمل.
تم رفض استئناف أولي قدمته سانجر؛ لإطلاق سراحها؛ لكن في جلسة لاحقة للمحكمة في عام 1918، فازت حركة تنظيم النسل، وشعرت بزهو النصر؛ عندما أصدر القاضي فريدريك إي كرين من محكمة الاستئناف في نيويورك قراراً سمح للأطباء بوصف وسائل منع الحمل. فحصلت على دعم العديد من الجهات المانحة في أمريكا، التي وفرت لها التمويل لمساعيها في المستقبل.
في فبراير/شباط عام 1917، بدأت بنشر المجلة الشهرية الدورية؛ لتحديد النسل التي استمرت حتى عام 1929.
حرية التعبير
نظرت سانجر إلى تحديد النسل في المقام الأول على أنه مسألة حرية التعبير، وليس قضية نسوية، وعندما بدأت في نشر «ذي وومن ريبل» في عام 1914، فعلت ذلك؛ بهدف تصريح يتمثل في إثارة تحد قانوني لقوانين كومستوك التي تحظر نشر معلومات حول وسائل منع الحمل، كانت خائفة مما سيحدث، فهربت إلى بريطانيا، وهناك التقت مع عدد من النشطاء البريطانيين في مجال تنظيم النسل؛ من أجل أسر سليمة معافاة، وقد نظمت المؤتمر الدولي السادس لتنظيم النسل الذي انعقد في نيويورك في عام 1925.
حياة صحية
شعرت سانجر أنه من أجل أن تتمتع المرأة بمزيد من المساواة في المجتمع؛ ولكي تنعم بحياة صحية أكثر، فإنها بحاجة إلى أن تكون قادرة على تحديد وقت إنجاب الأطفال. كما أرادت منع ما يُسمى ب«الإجهاض السري»، الذي كان شائعاً في ذلك الوقت؛ لأن عمليات الإجهاض كانت غير قانونية في الولايات المتحدة. وأعربت عن اعتقادها أنه مع كون الإجهاض يعد عملاً مبرراً في بعض الأحيان، فإنه ينبغي تجنبه عموماً، واعتبرت أن وسائل منع الحمل هي الطريقة العملية الوحيدة لتجنبها.
رابطة تنظيم النسل
في عام 1921، أسست الرابطة الأمريكية لتنظيم النسل، والتي أصبحت فيما بعد اتحاد تنظيم الأسرة الأمريكية. وفي مدينة نيويورك، أنشأت أول عيادة لهذا الغرض كل طاقمها من الطبيبات، فضلاً عن عيادة في هارلم، والتي تشكل مجلسها الاستشاري بطاقم من أصل إفريقي، في عام 1929، شكلت اللجنة الوطنية للتشريع الاتحادي لتنظيم النسل، والتي كانت نقطة ارتكاز؛ لدعم جهودها التي نجحت في إضفاء الشرعية على وسائل منع الحمل في الولايات المتحدة. في الفترة من 1952 إلى 1959، شغلت منصب رئيس الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة. توفيت في عام 1966، وتعد على نطاق واسع مؤسسة الحركة الحديثة لتنظيم موضوع النسل.
الحرب الأولى
بعد الحرب العالمية الأولى، ابتعدت سانجر عن السياسة المتطرفة، وأسست رابطة تنظيم النسل الأمريكية عام 1921؛ لتوسيع قاعدة مؤيديها لتشمل الطبقة الوسطى.
أكدت من خلال الرابطة على بنود رئيسية؛ منها: ضرورة أن تحمل الأمهات أولادهن بدافع الحب، وأن يولدوا جرّاء رغبة ووعي الأم، وأن ينجبوا ويربوا في ظل ظروف صحية وممكنة، كما أكدت الرابطة، ضرورة أن تمتلك المرأة كل أسباب القوة والحرية؛ لاستخدام وسائل منع الحمل.
في عام 1918، حصلت على حكم قضائي بإعفاء الأطباء من القانون الذي يحظر توزيع معلومات منع الحمل على النساء (شريطة أن تكون الوصفة لسبب طبي)، وأنشأت في 1923 أول عيادة قانونية في الولايات المتحدة، طاقمها بالكامل من الطبيبات النساء والعاملات، وتلقت العيادة تمويلًا مكثفًا من جون روكفلر وعائلته.
في آسيا
في عام 1922 سافرت إلى الصين وكوريا واليابان. في الصين، عملت مع بيرل باك؛ لإنشاء عيادة لتنظيم الأسرة في شنجهاي. في اليابان التي زارتها ست مرات عملت مع الناشطة اليابانية كاتو شيدزوي؛ لتعزيز تحديد النسل.
في عام 1928، أدى الصراع داخل قيادة حركة تحديد النسل إلى استقالة سانجر كرئيس وإعادة تسميتها باسم مكتب البحوث السريرية الذي استمر بالعمل حتى 1938.
كتبها
أصدرت العديد من الكتب في عشرينات القرن الماضي، والتي كان لها التأثير الكبير على الصعيد الوطني في الترويج لقضية تحديد النسل. بين عامي 1920 و 1926، تم بيع 567000 نسخة من «المرأة والعرق الجديد ومحور الحضارة». كما كتبت سيرتين شخصيتين؛ لتعزيز قضيتها، نشرت الأولى بعنوان: «كفاحي من أجل تحديد النسل» في عام 1931، أما النسخة الثانية الأكثر ترويجاً، فكانت بعنوان: «مارغريت سانجر: سيرة ذاتية» ونشرت في عام 1938.
خلال عشرينات القرن الماضي، تلقت سانجر مئات الآلاف من الرسائل، والكثير منها كُتب في يأس من قبل النساء ممن يتسولن للحصول على معلومات حول كيفية منع الحمل غير المرغوب فيه. تم تجميع خمسمئة من هذه الرسائل في كتاب «استرقاق الأمومة» في 1928.
جائزة مارغريت سانجر
هي جائزة تمنح سنوياً من قبل اتحاد تنظيم الأسرة في أمريكا منذ عام 1966. تم إنشاؤها؛ لتكريم إرث مارغريت سانجر، مؤسسة اتحاد تنظيم الأسرة، وتعد الجائزة أعلى تكريم للاتحاد. وتمنح للأفراد؛ اعترافاً بتميزهم في دعم حركة حقوق الصحة الإنجابية.
تم منح جوائز سانجر الأولى في عام 1966 في إطار أربع فئات؛ هي: حقوق الإنسان والطب والقيادة والخدمة، في الذكرى الخمسين لتأسيس تنظيم الأسرة. قدمت الجائزة في مجال حقوق الإنسان إلى مارتن لوثر كينغ الذي لم يتمكن من الحضور؛ بسبب «الضغط على حركة شيكاغو»، وحصلت زوجته كوريتا سكوت كينج على الجائزة بدلاً عنه. حصل كارل جي هارتمان على جائزة سانجر عن أبحاثه الطبية التي أدت إلى اكتشاف المبادئ الأساسية لأساليب تحديد النسل. لم يكن قادراً على الحضور لاستلام الجائزة؛ بسبب المرض. كانت بيتي ماري غوتنج هي الشخص الثالث الذي يحصل على جائزة مارغريت سانجر الوطنية عن عملها في مجال تعزيز تحديد النسل في إل باسو، تكساس.
المجتمع الإفريقي الأمريكي
عملت سانجر مع القادة والمهنيين الأمريكيين من أصل إفريقي الذين رأوا الكثير من الإيجابيات في مشروع سانجر، دفعهم إلى ذلك الحاجة إلى تنظيم النسل في مجتمعاتهم. في عام 1929، طلب جيمس هوبرت، وهو أخصائي اجتماعي من أصل إفريقي وزعيم الرابطة الحضرية في نيويورك، من سانجر افتتاح عيادة في هارلم. وافتتحت العيادة، وعمل بها أطباء سود في عام 1930. وقد أدار العيادة مجلس استشاري يتألف من 15 عضواً، ويتكون من أطباء وممرضين ورجال دين وصحفيين وأخصائيين اجتماعيين. عرفت العيادة على نطاق واسع؛ من خلال الصحف الأمريكية الإفريقية والكنائس وغيرها، وقد حاربت سانجر التعصب بين الموظفين، وأكدت أنها لن تتسامح مع مسألة التمييز بين الأعراق.