يذكر المغني اللبناني مارسيل خليفة أنه عندما لحّن وغنى قصيدة محمود درويش «أحنّ إلى خبز أمّي»، وغيرها من أشعار ماثلة في الذاكرة العربية منذ نحو ثلاثة عقود.. لم يكن قد التقى درويش في بيروت ولا في أي مكان آخر، بل، الأغرب من ذلك أن أحدهما لم يتصل بالآخر أو يسأل عن مكان سكناه في بيروت التي كانت تعجّ بالمقاهي في شارع الحمراء، وكان بعض المثقفين اللبنانيين والعرب الذين حزموا حقائبهم وشدّوا رواحلهم إلى بيروت هرباً من أنظمة حزبية قمعية، يجلسون في تلك المقاهي أكثر مما يجلسون في بيوتهم، وكانت مقاهي جدل ثقافي وسياسي وأيديولوجي، لا بل ظهر في بيروت في عام 2005 مقهى اسمه «جدل بيزنطي»، وقد شربت فيه القهوة ذات مساء بصحبة الشاعر الصديق أحمد فرحات، ورحت أشرد وأصغي إلى أصوات المقهى لأكتشف أن الاسم ليس على المسمّى، فالمقهى البيروتي الذي نشأ بعد أن أغلقت بعض مقاهي شارع الحمراء أبوابها اسمه «جدل بيزنطي» فيما الجدل الذي أصغيت له لم يكن بيزنطياً بالمرة: فكر، ووضوح، ومزاح، وفوق ذلك سخرية لاذعة، وتهكمّ ليلي مرير على الحالة السياسية اللبنانية بشكل خاص، والأجمل من ذلك، أنه كان بإمكانك أن تصغي إلى شاعر وهو يقرأ قصائده وسط هذا الجدل «اللّابيزنطي».
إجمالاً، لم يكن محمود درويش شاعر مقاهٍ أو شاعر جدل، وأحسب أن مارسيل خليفة هو أيضاً من طينة درويش.. يختار شعراً، يلحّنه، ويغنّيه بمزاج هادئ وروح شفافة، والجميل في مارسيل أنه يختار شعراً خالياً من المنبرية والشعاراتية والتعبئة الأيديولوجية، فيذهب إلى ما هو إنساني عالمي في الشعر، ولذلك، اختار «أحنّ إلى خبز أمّي» القصيدة الغنائية الناعمة والتي تصلح لأن تكون قصيدة عالمية مشحونة بالرقّة والحنان وعافية الإنسان من داخله الوجودي العاطفي.
في مدينة رام الله عمل الموسيقي الفلسطيني تيسير حدّاد على تلحين وغناء مجموعة من أشعار درويش في مناسبة الذكرى العاشرة على رحيله، وأقيم الحفل في قصر رام الله الثقافي قبل ثلاثة أيام.. هذا ما جاء في خبر صحفي صغير ورد في عدد من الصحف العربية، ولكن ما طبيعة هذه القصائد التي اختارها وتعامل معها الملحّن تيسير حدّاد؟ هل هي من ذلك الحرير الدرويشي الذي غنّاه مارسيل؟ أم أن لكل موسيقي رؤيته واختياراته، وبالطبع، تبعاً لتركيبته الثقافية والجمالية.. وفي كل الأحوال هي لفتة إيجابية جميلة أن يُغنّى محمود درويش بعد عشر سنوات على غيابه هو الذي أطلق أيقونته الأبجدية «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
في أواخر السبعينات، وأوائل الثمانينات تهافت بعض الشعراء العرب، وخاصة من الفلسطينيين على فرق موسيقية شكّلها شباب عشاق للشعر، ومن خلال غناء الشعر يجري الترويج للشاعر، أي أن الأمر كلّه قريب تماماً إلى الدعاية، ولكن الآن أين تلك الفرق.. بل أين شعراؤها..
كل ترويج للشعر، وكل دعاية له.. تفقده الكثير من كرامته.
أحن إلى خبز أمي
16 أغسطس 2018 02:34 صباحًا
|
آخر تحديث:
16 أغسطس 02:34 2018
شارك
يوسف أبولوز