غادر الشعراء طَلَل القصيدة صوب جنة الرواية، ولكن لم تكن هناك هجرة معاكسة قام بها الروائيون إلى الشعر الذي أخذ تعريفاً تاريخياً هو «ديوان العرب». ومهما حاول الروائيون أن ينسبوا هذا الديوان إليهم في عصر الرواية العربية هذا، إلا أن التعريف ظل للشعر، وسيبقى كذلك.
انظر إلى مكتبتك إذا كنت قارئاً محترفاً، وعدّد الروايات العربية والروايات العالمية المترجمة إلى العربية على الأرفف المتزايدة من عام إلى آخر، وانظر إلى أرفف الشعر، وبالتأكيد ما من مقارنة، فالرواية تطغى، ولكنه على أي حال طغيان جميل في زمن القراءة المتزايد.
زمن الرواية هو أيضاً زمن الناشر الذي يُصَوّب عينه على الجائزة الأدبية، فهو له حصّة من الجائزة، إذا كان هناك عقد اتفاق مع الروائي على هذه المحاصصة.
الشعر نادر وقليل، بخاصة، إذا كان ذلك الشعر الذي على طريقة عسل النحل، إذ لابدّ من ملكة، ولابدّ من ملك، لابدّ من خلية عمل، ولابدّ من طيران طويل، ولابدّ من سباق مسافات بعيدة لكي نحصل على ذلك العسل القليل، وإن ذلك القليل لا يلتقي مع زمن الناشر الذي يبحث عن سوق، كما ويبحث عن جائزة.
الرواية تحقق للناشر شيئاً من طموحه الماديّ، وقد كتبت ذات يوم أنها «بقرة حلوب»، فإذا انتشرت رواية، وباعت، وتهافت عليها المترجم، أو اعتمدتها السينما، أو الدراما أو روّج لها الإعلام، أو حظيت بالقراءة الصحفية المُروّجة، أو غمرها ضوء الدعاية، فهي بلا شكّ، ذات ضرع حلوب.
اليوم، لا يقع الشعر في مواقع الرواية من حيث الانتشار، والبيع، والتهافت، فمن النادر، بل من الصعب أن تتحول قصيدة إلى فيلم، وقليلاً ما يقتحم الشعر قلاع الصحافة والإعلام، ومرة ثانية، لأن الشعر نادر وقليل، وأكثر من ذلك، الشعر صعب، وَمُصفّى، وَمُنَظمّ تماماً مثل نظام النحل.
لذلك، يغادر الشعراء، أو بعض الشعراء مُتَرَدّم القصيدة إلى حليب الرواية، وإذا أردت المقارنة، فما أوسع الفرق بين الضرع الذي يرمز إلى الرواية، وبين فن النحلة الذي يرمز إلى الشعر.
مرة ثانية، تأمل إذا أردت عدم وجود تلك الهجرة المعاكسة من الرواية إلى الشعر، فما من روائي يعرف قدر نفسه يقدم على مغامرة الشعر، هذا النحل الطيّار، كثير الخلايا، وجميل المنظر.
ظل عبد الرحمن منيف في حدود مدن الملح، وبقي حنّا مينة مثل عوليس تائهاً في البحر، يكتب من ميناء إلى ميناء، ولم يغادر نجيب محفوظ حارته الشعبية القاهرية، روائيون كبار مَدّوا أرجلهم على قدر لحافهم.
مع كل ذلك، ما من رواية عظيمة إلا وفيها شيء من عسل الشعر، مذاقٌ لابد منه، وحلاوة ناعمة، إذا لم نطعمها في الرواية تظل ذا مرارة مثل حليب التين.
