قرأت مجموعة من قصص الأخوين جريم وهما: يعقوب (1775-1863)، وفيلهلم (1786- 1859)، وكانت هذه المجموعة قد صدرت طبعتها العربية في عام 1987 عن دار الفتى العربي في القاهرة ونقلها إلى العربية د. كمال رضوان، وصمم الكتاب وغلافه الفنان الرائع فعلاً محيي الدين اللبّاد، بمشاركة يوسف شاكر.
في مقدمة الكتاب القصيرة، قال المترجم إن هذه القصص موجّهة إلى «كل فتى وفتاة في الوطن العربي»، ولكنني لست فتىً، بل فوق الستين، وقد قرأت هذه القصص بمتعة رجل يبحث عن الفكر والحكمة واللغة أيضاً، ووجدت كل هذه الخصائص في هذه القصص الشعبية التي تصلح للفتى، والشاب، والكهل، وليس لفئة قارئة في حدّ ذاتها.
مشروع الأخوين جريم يعرفه العرب منذ الثمانينات، ولكي أقرّب الصورة أكثر للقارئ العربي، أنقل عن المترجم في المقدمة «إن الأخوين جريم قاما بالتنقيب في كنوز الأدب الشعبي والتراث الأوروبي القديم، فجمعا أساطيره وحكاياته، ممّا كان يحكيه الأجداد للأحفاد، فرأت القصص النور في بداية القرن التاسع عشر».
اهتم الأخوان جريم بجمع الأساطير والملاحم الشعبية، ووضعا كتاباً ضخماً في النحو الألماني من أربعة مجلّدات، وعملا في جامعات ألمانية عريقة لكن بقي أثر هذه القصص الشعبية علامة بارزة في مشروع هذين الأخوين ليس في الثقافة الألمانية، وحسب، بل وفي الثقافة الأوروبية برمّتها، ليمتد هذا الأثر الشعبي الأوروبي إلى القارئ العربي على يد المترجم د. كمال رضوان، إلى جانب الصور التعبيرية الجميلة والناطقة بمحتوى كل قصة، وقد رسمها الفنان يرجي ترنكا.
بعض هذه القصص يتشابه تماماً مع بعض السرديات والحكايات التراثية الشعبية العربية، وبعضها لا يعبّر إلا عن ثقافة وتفكير بعض الشعوب الأوروبية فقط، وسوف يجد القارئ الشغوف بهذا الأدب الموجّه للفتيان أن شخصية الجدّة العجوز حاضرة دائماً في هذه النصوص، وعن طريق حكمة وخبرة الجدّة يأتي الخلاص.
الملك، ابنة الملك، الحطاب الفقير، الزوجة، الراعي، الغنّام، وهو صاحب الغنم، الخيول، الفارس، الفلّاح.. كل هذه شخصيات حاضرة في مسارات هذه الحكايات المنقولة إلى العربية بلغة حرفية عالية المستوى في النحو والأسلوب والبلاغات الشعبية ومجازاتها الأدبية، الأنيقة، الأمر الذي يجعل من القارئ الفتى مشدوداً بكلّيته إلى هذا الأدب الشعبي «البرّي» إن جازت العبارة، أما القارئ الكهل، فربما، بإمكانه أن يستعيد طفولته وفتوّته، وهو يقرأ هذا التراث الأدبي الإنساني أولاً وأخيراً، بكل معنى الكلمة.
