يوسف أبو لوز

برع اليابانيون في شعر «الهايكو»، وبرعت نساء البشتون في أفغانستان في شعر «اللاندي».. والنوعان من هذا الشعر تجمعهما صفة واحدة «القصر أو الإيجاز أو الاختصار».. بل إن مفردة «اللاندي» تعني حرفياً في العربية (الموجز)، كما يقول الباحث علي الشدوي.
ويضيف في مقالة له حول شعر اللاندي.. «هو قصيدة قصيرة جداً، تتكوّن من بيتين من الشعر يُقالان حين تذهب نساء البشتون إلى البئر أو النبع لجلب الماء، أو حينما يرقصن ويغنّين في مناسبة عزيزة عليهن».
في المقابل.. «الهايكو» الياباني قصيدة قصيرة تقوم على مقاطع صوتية وكلمات قليلة، لكن كل كلمة لها دلالة تتصل بالطبيعة بشكل خاص، كما تتصل بفلسفة الزن، وفي حين تكتب الشعر الموجز (اللاندي) نساء البشتون في الغالب، ويكتبه القليل من الرجال، فإن الهايكو، يبدو كما لو أنه شعر الرجال فقط منذ القرن السابع عشر.. ومعلّمه الأول شاعر يدعى «باشو».
على نحو ما «اللاندي» النسائي البشتوني كأنه «هايكو» أفغاني مع الفارق في الجوهر والفلسفة وطبيعة القصيدة، وهي طبيعة أنثوية كما هي طبيعة باطنية إن جازت العبارة، فالمرأة البشتونية تخبّئ في قلبها ما لا يظهر على لسانها.. مستكينة ومسالمة ومكسورة في الظاهر، وفي الباطن هي متمرّدة، ساخطة رافضة وحرّة، ولكنها حرّية داخلية لا تتعدّى حدود «اللاندي» الذي هو شعر البوح.. وإن شئت فهو شعر الغضب المكبّل بالكلمات.
تقول شاعرة بشتونية: «.. إذا مات حبيبي فسأكون كفنه//.. هكذا نتزوّج الرماد معاً..» وتقول شاعرة بشتونية أيضاً: «.. يا إلهي لا تدع امرأة تموت في المنفى..//.. ستنسى اسمك وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة..//.. لن تفكّر إلّا بمسقط رأسها..»
ولكن.. هل المرأة البشتونية هي شاعرة «اللاندي» فقط؟، أم أنها تنحني على تراب بلادها أفغانستان وتفكر بغيرها.. تفكر هذه المرّة بصوت مرتفع في الظاهر لا في الباطن وهي ترى مظاهر الجوع والبؤس وبؤر الإرهاب.. وأيضاً وهي ترى الجمال الفطري العفوي لأفغانستان.
تقول إحدى الشاعرات بعيداً عن فضاء «اللاندي»: «.. أمشي في شوارع كابول..//.. وخلف النوافذ الحزينة../.. قلوب محطّمة نساء محطّمات..//.. لا رجال في الجوار لأنهم يموتون جوعاً بينما يتوسل الخبز مدرسون وأطباء وأساتذة ضائعون بين البيوت الجائعة..//..لم يتذوّقوا حتى القمر..»، وهذه الصورة الأخيرة «لم يتذوّقوا حتى القمر..»، إشارة إلى حكاية رجل جائع نظر إلى القمر فظنه رغيف خبز.
في كل مكان في العالم في «الهايكو» أو في «اللاندي» يبدو الجوع شاعراً عندما يحوّل القمر إلى رغيف خبز.