يوسف أبولوز

انتهى الفلسطينيون قبل أيام في مدينة الخليل من مهرجان العنب في المدينة الشهيرة بزراعة الكرمة، ويسميها أهل البلاد «الدوالي»، وكل دالية هي بمثابة فرد من العائلة عند أهل الخليل.
أكثر من ستة عشر نوعاً من العنب في الحقول التي تتدلى من أشجارها قطوف بلون الضوء واللازورد، وأشجار مثقلة بفاكهة الصيف، وحبات السكر، وهذه هي الهوية الثانية للفلسطيني.. إنها هويته الشجرية إن جازت العبارة، هوية تقوم على الزيتون، والزعتر، والعنب، لكن مرج بن عامر.. عامر أيضاً بالبرتقال، والليمون، وخطوط البامياء، والذرة، وعباد الشمس، وربما بسبب من هذه البيئة الزراعية الملونة بأقواس قزح خرج الشعراء الفلسطينيون من اللغة إلى الحقول، ومن القصائد إلى الينابيع، ومن بلاغة الكلمة إلى بلاغة الشجرة.
على الخريطة، تبدو فلسطين مرسومة بالطول من رأس الناقورة أو أعالي الحولة وطبريا في الشمال، إلى بئر السبع أو صحراء النقب في الجنوب. مرسومة بالطول وملتصقة بالبحر الأبيض المتوسط كالطفل المتشبث بصدر أمه، وفي هذا الفضاء الفلسطيني الطولي.. يكثر العنب، وعلى أي حال، لدى الفلسطيني ما يفرح قلبه، فها هو يخرج من كرنفال الدم والدموع إلى كرنفال العنب، وما أكثر أشجار الفلسطيني التي حاول «الإسرائيلي» اقتلاعها بالبلدوزر، ولكن سرعان ما كانت الأشجار تنمو مثل النجوم في وجه السماء، وما من شجرة على الأرض إلا ولها ما يشبهها في السماء.
انتبه الشاعر الفلسطيني د. عزالدين المناصرة إلى الشعر اللازوردي الماثل في قطف العنب.. فقال كأي خليلي يشعر بالامتلاء الوطني بسبب شجرة أو دالية:
«.. عنب خليلي وإيقاعه فاعلن في المزاد، وقيل فعولن لأن الخبب
يرتوي من بحور الذهب..» إلى أن يقول:
«خليليّ أنت يا عنب الخليل الحرِّ لا تثمر وإن أثمرت، كن سماً على الأعداء.. لا تتمر..»
عزالدين المناصرة خليلي ابن خليلي. يجري سكر العنب في ظهره، وفي عروقه تجري فلسطين بالطول. وعلى المنوال ذاته، تجري فلسطين، بالطول والعرض، في عروق شعرائها الذين يشبهون الأشجار.
كان محمود درويش شجرة برتقال، ومحمد القيسي شجرة ليمون، وعبداللطيف عقل شجرة دوم، وفدوى طوقان شجرة تفاح، وإبراهيم طوقان شجرة نخل.. هذه أرض الكنعاني الذي تعلم الغناء من الينابيع، والرقص من الرياح، والبكاء من المطر، والبطولة من الحجر.
الأشجار في فلسطين شقيقات النساء، ومن الشجرة تعلمت المرأة الفلسطينية فن التطريز، ومن الناي تعلمت الحزن، ومن الينابيع صنعت مراياها.. وصورها المتلألئة في الماء.
.. ويا عنب الخليل كن مرّاً على الأعداء.

[email protected]