ابن الديرة
الرصيد المائي الذي تملكه الدول بات لدى معظمها، رأسمالها الحقيقي الذي لا تستطيع الاستمرار بدونه. ويصدق بعض السياسيين والمحللين الذين يتوقعون أن تكون معظم الحروب والنزاعات خلال العقود القليلة المقبلة، بسبب الصراع على مصادر المياه، وامتلاكها والسيطرة عليها.
هذا الأمر تُدركه الدولة جيداً؛ حيث صعوبة الطقس ونُدرة المياه بسبب شح الأمطار، وتدهور رصيد المخزون الجوفي للمياه لأسباب كثيرة، أهمها الاستنزاف الجائر للمياه، وقلة أو انعدام المصادر الطبيعية، كالأنهار والبحيرات والينابيع وغيرها، ولذلك لجأت إلى تحلية مياه البحر كمورد من الموارد الأساسية، وفي الوقت نفسه، سنّت القوانين واتخذت كثيراً من الإجراءات التي تكفل الحفاظ على المخزون الجوفي، وتغذيته، ومنع الاستخدام العشوائي له.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الحفر غير المنظم لآبار المياه في المنازل والمزارع الخاصة، زاد وانتشر في السنوات الأخيرة، خاصة مع انخفاض كميات المياه الناجمة عن الأمطار بمعدلات عالية، وهو إجراء يلجأ إليه البعض كما يقولون صراحة لريّ مزروعاتهم ومواشيهم من جهة، والتهرب من قيمة فاتورة المياه من جهة أخرى.
في كل إمارات الدولة، هناك جهات رسمية مسؤولة عن الحفاظ على المخزون الجوفي للمياه، وتنظيم استهلاكه، ومنح تصاريح الحفر للراغبين، بعد دراسة مدى أهميته لهم، والمواصفات الفنية المطلوبة عند بناء البئر، وأهمها توفير عوامل الأمان والسلامة، وألاَّ يشكل خطراً على الأطفال، وبالتأكيد، بعد تعرض أعداد منهم للوفاة نتيجة سقوطهم في آبار تفتقد مقومات السلامة.
وبمتابعة حملات التفتيش التي نظمتها بعض الجهات المسؤولة عن منح تصاريح حفر آبار المياه الخاصة، تبيّن أنها اكتشفت وجود آبار مخالفة لم يحصل أصحابها على تصريح رسمي بحفرها، وأن معظم هذه الآبار يفتقد لعوامل الأمن والسلامة للأسف الشديد، على الرغم من أن الأسرة ومحيطها هم الأكثر تعرضاً لخطر هذه المخالفة.
ومن زاوية أخرى، فإن كثيراً من المواطنين الذين يلجأون للحفر العشوائي للآبار، يتفاجأون أحياناً أن مياهها مالحة ولا تصلح للزراعة ولا لسقي المواشي، فيتحملون كُلفة الحفر والردم بلا طائل، وكان من الممكن عدم المجازفة لو أنهم التزموا من البداية بالقانون والمصلحة الوطنية.
الالتزام بالقوانين المنظمة لحياتنا، فيه فائدة كبرى لكل ملتزم، فالقانون وُجد أصلاً لخدمة الناس وتنظيم أمور حياتهم، وفي قضية كالمياه الجوفية فالالتزام مصلحة كبرى، خاصة أنها تمس الأمن المائي للبلاد، ومصلحة من يريد بئراً خاصة تكمن في إشراف الجهة الرسمية عليه، من ألفه إلى يائه، فهي الأدرى أين تكمن مصلحة المواطن.