محمد رباح

بالأمس غير البعيد احتفل العالم بيوم المعلم، وما أكثرها الأيام التي أصبحنا نحتفل بها كل عام، بدءاً بالمرأة، مروراً بالسعادة، وصولاً إلى العمال.
لكل يوم من تلك الأيام رمزيته، ومكانته في نفوس أناس دون سواهم، إلا المعلم، الذي يكفي فقط أن نتمعن معنى اسمه حتى نعرف أفضاله، التي نهل كل طالب منها بحسب ما يرغب.
هذا المعلم الذي اختار طواعية أن ينير درب معرفتنا على حساب شمعة عمره، التي أخذت بالذوبان وهو يكد ويشقى، ويبحث في مخزونه المعرفي لعله يجد ما يسعفه للتعامل مع طلبة يختلف مستوى فكر أحدهم عن الآخر. تغير حاله اليوم مع تغير واقع الحياة وتسارعها، وتوقف عداد راتبه عند الحد الأدنى للعيش.
تلك الهيبة التي لا تزال محفورة في أذهاننا تغيرت، والأيام التي كان يكفي فيها مرور المعلم أمام طلبته، لإخماد ثورة مشاغبتهم، وليتراكضوا في «الفريج» حين تلمحه عيونهم، هرباً منه، وتحسباً للحساب الذي ينتظرهم في الغد، إذا كانوا من المقصرين، ذهبت إلى غير رجعة.
هذه الحقيقة انعكست على واقع إقبال المواطنين على مهنة التدريس، وأكبر دليل على ذلك انحسار أعدادهم عاماً بعد الآخر، حتى توشك العملية التعليمية أن تفتقد المعلم المواطن.
ضعف إقبال المواطنين على مهنة التدريس، مشكلة تتفاقم من عام إلى آخر، حتى يوشك المدرس المواطن أن يصبح عملة نادرة في العملية التعليمية التي تدير ظهرها له، فتكتفي الجهات المعنية بالحديث عن العقبات التي تقف عائقاً أمام دخوله معترك التدريس، من دون العمل جدياً على إزالتها، على الرغم من ناقوس الخطر الذي دائماً ما تقرعه الإحصائيات.
جهود كبيرة تبذلها وزارة التربية والتعليم لتجعل بيئة مدارسنا الحكومية جاذبة للطلبة، وهو ما تكلل بالنجاح في ظل زيادة إقبال أولياء الأمور على قيد أبنائهم في إحداها، خاصة بعد العودة القوية لتحصيل طلبتها العلمي، إلا أنها وإن كانت قد نجحت إلى حد ما في جذب الطلبة، إلا أن نفور المعلمين منها يعتبر أبرز سماتها، لأسباب عدة تتأرجح بين المادية والمعنوية.
تعديل البوصلة يستدعي إعادة النظر في الكادر المالي للمعلمين، وجسر الهوة بين ما يتقاضاه المعلم في المدارس وما يتقاضاه موظفون في قطاعات أخرى.
إعادة الهيبة للمعلم لا تكمن في المبادرات المصحوبة ب «بروباجندا» إعلامية، والشعارات التي تتهاوى مع مرور الوقت، بل بالبدء بخطوات فعلية تعيد للكادر التعليمي هيبته، وتتخذ من البعد المالي ركيزة، لإزالة حاجز الإقبال على المهنة.

[email protected]