إن ما حدث في الرابع من فبراير من عام التسامح ٢٠١٩، لا يمكن حصره في دائرة التبادلية والاتفاقات المشتركة وحسب، فالأمر له امتدادات طويلة، أما الجهود التي بذلت بين الأطراف المعنية لحمل الحجر الذي أهمله البناؤون لفترة من الزمن فقد أسفرت عن عمر جديد يكتب في تاريخ البشرية من أرض الشرق التي طالما كانت مهداً لكلمة النور، فهي تعيد لم الشمل دون النظر إلى عرق أو دين أو لون في أرض الإمارات العربية المتحدة.
لقد سما هذا التجمع الفكري سمواً أخلاقياً يتناسب والدعوة التي يطلقها قادة الأديان ممثلين بفضيلة إمام الأزهر الشريف وقداسة بابا الكنيسة الكاثوليكية على شكل وثيقة للأخوة الإنسانية محورها أديان السلام، ونبذ التشدد ومحاربة الإرهاب والتكاتف من أجل إيقاف هذا الهدر في القيم الإنسانية بسبب الحروب والفقر والمرض.
فالعروبة خاطبت العالم أجمع ولم تسقط من الحسبان الدور التاريخي لكل الحضارات والمجتمعات، كما أن الإضاءات التي قدمها فضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب - شيخ الأزهر الشريف نقلتنا في لحظات عبر تصور لخط التاريخ حتى بلغنا نقطة اللاعودة في مسيرتنا على هذه الأرض، والرحلة يلزمها قادة بهذا المستوى من الوعي الذي يتناول الرسالة السماوية بتبجيل، والجهد البشري بتقدير، فكان أن عرف العالم جنوداً مجهولين لم يكن ليعرفهم أحد لولا تلك الإشارة المضيئة في خطاب عكس ما يجب أن يكون عليه الأمر دائماً.
لقد مدت الإمارات العربية المتحدة أواصر الود وسعت فيمن سعى لنفض الجمود عن جوهر المعنى الحقيقي للتواصل بين الأمم، فالمشروع يتجاوز الفهم العقيم الذي تحاول أطراف الترويج له من خلال آلاتها الإعلامية الضخمة وإمكانياتها التكنولوجية المتعددة، ويجب أن يقابل ذلك عدة تتناسب والتطور الحاصل، ولغة تليق بالمقام الداعي بأسماء الأشخاص من ذوي الإرادة الصالحة لتحويل وثيقة الأخوة الإنسانية إلى فعل ممنهج وطريقة حياة. هؤلاء الذين يديرون العملية في الثقافة والفكر والإعلام والصناعة الترفيهية وإنتاج المحتوى الفني والأدبي والمعرفي.
من يحقق المعادلة ويعيد للأمر نصابه ليسوا قادة السياسة والدين وحدهم، بل معهم المفكرون والفلاسفة والفنانون والإعلاميون والمبدعون من كل مكان، فبهم منوطة إعادة الكشف للسلام والعدل والخير والعيش المشترك، بعيداً عن النزعة الفردية التي كادت تودي بالضمير الإنساني، فالقفزة التي ننشدها لها جذور يجب أن تتعهد بالتنشئة والرعاية منذ البداية في عمل تتولاه الأسرة والمدرسة والمسرح والمؤسسة الإعلامية والمؤثر في المشهد اليومي وعبر منصات التواصل الاجتماعي، وذلك انطلاقاً من قيم الحرية والعدل والحوار وثقافة التسامح وحماية المكتسب الديني والمواطنة القائمة على المساواة في الواجبات والحقوق والاعتراف بحقوق جميع فئات المجتمع وحمايتها، فالأمر في حقيقته أبعد من بناء مسجد وكنيسة ومعبد بل هو مبني على فكر وعمل وجهد مستدام لما فيه صالح البشرية.
كنيسة ومسجد
8 فبراير 2019 04:31 صباحًا
|
آخر تحديث:
8 فبراير 04:31 2019
شارك
صفية الشحي