عبد اللطيف الزبيدي

قال القلم: اليوم الجمعة، لقد أعددت لك «بوفيه» فيه اللغة وفلسفة التاريخ والاقتصاد. قلت: إن خوان العمود أصغر من أن يتسع لأصنافه، فما بالك بعواقب سوء الهضم.
قال: كيف نفسّر مفردة عربية الجذر، وردت بصيغ عدّة في القرآن، لكنها صيغ لم تستعمل في كلام الجاهلية؟ هي اجتهادات أضافها المفسرون والفقهاء إلى الثلاثيّ ومشتقاته، بعد أكثر من قرن في الأقلّ، وظلّت المعاني تتكاثر إلى العصر الحديث. قلت: ما يشغلك هو أن القرآن عربيّ، فلا بدّ من أن نضع في الحسبان مدلول الجذر إذا كان عربياً لا ساميّاً أو غيره. لقد أتى الكتاب بمضامين جديدة على منظومة قيم الجاهلية، لهذا صار المفسرون والفقهاء مجمعاً لغويّاً يولّد المعاني، يستنبطها، حتى أصبحت المعاجم تبدأ شرح اللفظ بما أضيف إلى الجذر قرآنياً وفقهيّاً، ولا يمكن أخذ هذا المنهج على أنه منهجيّة دقيقة في العمل المعجميّ، فالاجتهادات آراء مضافة كتطوّر للمعاني، ولا تعدّ أصولاً، فمن الضروري الاحتفاظ بإطار جذرها وعدم فصلها كليّاً عن خصائص الأصل.
قال: خذ مثلاً الفسق في معناه الجذريّ، والأبعاد التي اتخذها الفسوق. في «لسان العرب»: «العرب تقول إذا خرجت الرطبة من قشرها، قد فسقت الرطبة من قشرها.. وفسقت الفأرة أي خرجت من جحرها». يضيف: «قال ابن الأعرابيّ: لم يُسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق. قال: وهذا عجب وهو كلام عربيّ». ثم يعمّم المعنى مع التجريد: «الفسق، الخروج عن الأمر». بعد هذا نرى منعطفاً اقتصاديّاً مستحدثاً: «فسق فلان ماله إذا أهلكه وأنفقه». بوضوح أشدّ يُبرز الاجتهاد: «حكى شمر عن قطرب: فسق فلان في الدنيا إذا اتّسع فيها وهوّن على نفسه واتسع بركوبه لها ولم يضيّقها عليه»، ما يشير إلى الترف والإسراف فيه.
قلت: ها أنت في الآية 16 من سورة الإسراء: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمّرناها تدميرا». كيف تراها في ضوء فلسفة التاريخ الاقتصاديّة؟ قال: في الآية نظرية اقتصاديّة عامّة، تُصوّر انطباق قوانين فلسفة التاريخ على الاقتصاد. الفسوق هنا لا يلوح على علاقة بالأخلاق، وإنما هو بداية منحنى التفكك الذي يصيب الرأسمالية المتغوّلة. انجراف حتميّ. إن معنى الإرادة الإلهيّة هنا، والأمر الصادر بتجاوز الحدود (الفسق)، وحتميّة الانهيار، هو الخط البياني الصاعد إلى الذروة التي بعدها الانحدار. ابن خلدون طبّق ذلك على مراحل الحضارات، وبعده توينبي. الآية كتاب فلسفة تاريخ اقتصادية مكثف في كلمات.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكريّة: القانون الكونيّ واحد، التطبيقات لا حدود لها.

[email protected]