يحرن القلم كالدابة أحياناً. ذكرت فيروز أمس فحط الرحال وأبى المسير. كلمات الأغاني اللبنانية بينها وبين أخواتها العربية فوارق شتى. أجواء الأغاني العربية غالباً ما تكون ضمن ما أسميه «غزل القصابين»: صور ذبح وقلوب وأكباد مشوية، لظى بين الجوانح، نار في الأحشاء، صيد وأسر،عظم الساق. الأغنيات الحديثة ليست أقل اتهاماً لبنات حواء بارتكاب هذه المجازر التي يكتبها ذكور. كم عدد الشاعرات اللائي كتبن أغنيات غزلاً في الجنس غير اللطيف؟ الحب العربي مشكلة تخطيط مروري: طريق ذو اتجاه واحد، والاتجاه الآخر: ممنوع الدخول. والمخالفة أخلاقية.
هدئ من روعك وحنقك، ففي كل بلدان الدنيا، يندر أن نرى كلمات أغانٍ تعبر عن مشاعر المرأة لم يكتبها رجال. وكذلك الشعر عموماً. الشاعرات اللواتي فعلن ذلك واجهتهن علامات تعجب واستفهام، أما في الشرق فشجب وتنديد وتشهير، ما يجعل امتطاء هذه الصهوة وسيلة إلى انتشار الصيت السريع على حساب جودة الشعر في أحيان كثيرة. وفي المجتمعات المحافظة أمهن هاوية. بالمناسبة: أغلبية الزوايا المفلفلة التي تعبر عن مشاعر المرأة في الصحافة العربية، كتبها ويكتبها ذكور تنطبق عليهم تماماً عبارة طرفة بن العبد البكري الطريفة: «استنوق الجمل» أي صار ناقة.
في أغنية «فايق يا هوى» لفيروز، رومانسية عذبة طرح فيها الأخوان رحباني قضية تربوية اجتماعية إنسانية مكثفة كأنها «بوفيه» في قرص أو موسوعة في رأس دبوس. تقول الكلمات: «فايق لما راحوا أهالينا مشوار.. تركونا وراحوا قالوا ولاد صغار.. ودارت فينا الدار ونحنا ولاد صغار». كلام يجعل دار الدماغ تدور، فعلوم النفس والتربية والاجتماع تبدو خارج هذا الملعب. واللعبة أكبر حتى من هذا الميدان، فتربيتنا النفسية والاجتماعية لا ترى الصغار إلا صغاراً. ولهذا يتأخر اكتشاف المواهب والعبقريات، ويضيع النبوغ جراء سوء التوجيه وأسباب لا تحصى، فقبل الابتدائية لا يلقى الطفل رعاية تذكر بذريعة واهية وهي أنه صغير لا يفهم ولا يعقل.
انظر جيداً: «تركونا وراحوا»، إهمال. «قالوا ولاد صغار»، لامبالاة، في حين أن الحقيقة غير ذلك، بدليل: «ودارت فينا الدار»، جهل أو تجاهل لواقع النمو النفسي والعاطفي لدى الصغار، وكأن الكبار لم يكونوا صغاراً ولم يمروا بهذه المرحلة. وهنا نترك الدار تدور بكم وفيكم وعليكم.
لزوم ما يلزم: النتيجة الوقائية: إذا أردت ترك طنجرة التفكير مغطاة، فاستمتع بأغاني فيروز على طريقة «الكاراووكي» من دون كلمات.
دردشة في المرأة والأطفال
11 أبريل 2016 04:25 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 أبريل 04:25 2016
شارك
عبداللطيف الزبيدي