محمد رضا
في زمن مضى كانت الممثلات مقرونات بالجمال الخارجي حتى وإن كان بعضهن موهوبات ومليئات بالثقافة العامة والقدرة على الاختيار الصحيح والعيش بسلام مع الذات.
كانت هناك في إيطاليا ممثلات كثيرات لافتات على صعيد المواصفات الجمالية. وكانت كلوديا كاردينالي بينهن.
ولدت كاردينالي في تونس سنة 1938 وبقيت مع والديها هناك حتى الاستقلال، لكن قبل رحيل العائلة ظهرت هناك في فيلم واحد على الأقل بعنوان «جحا» مثلته لحساب الفرنسي جاك باراتييه الذي استعان بعمر الشريف لتمثيل دور الشخصية التي لم يسع منتج عربي لتحقيق فيلم عنها.
تبعت في خطواتها صوفيا لورين وسبقت ليا ماساري وسواها من اللواتي جئن بعدها على الساحة. لمعت في النصف الثاني من الستينات وسرعان ما انضمت إلى حلقة الممثلات المثيرات والفاتنات حول العالم.
كان هناك مارلين مونرو وجين راسل في أمريكا، وبريجيت باردو في فرنسا، وصوفيا لورين في إيطاليا والعديدات الأخريات، لكن «ك.ك»، كما عرفت في الصحافة آنذاك أيضاً، بقيت مصدر احتفاء وثابرت على العمل أكثر ممن بقي منهن على قيد الحياة.
حالياً هي في «هوليوود» لتنفيذ عمل تلفزيوني قريب. ولديها فيلم «وسترن» يصور في إيطاليا بعنوان «الفارس الرابع». والمخرج التونسي رضا الباهي اتفق معها على بطولة فيلمه المقبل «جزيرة الغرباء». كل هذا يجعلها، وهي أكبر الممثلات المعمرات (عمرها الآن 80 سنة) الأكثر نشاطاً. وهي ما زالت متوقدة الذهن ولو أنها لا تتجاوب كثيراً حين سؤالها عن أفلامها، بل تميل أكثر للحديث عن حياتها وخلفيات تلك الأفلام، كما يتضح في الحوار معها:
* عندما يذكر الناس اسمك، يتذكرون أيضاً أنك كنت مشهورة كواحدة من أكثر الممثلات جمالاً. كيف تنظرين إلى تلك الفترة وهي كانت بالفعل فترة ذهبية بالنسبة لك كممثلة؟
- كانت الصحافة في الستينات والسبعينات تكتب عني كثيراً، وكلما كتبت عني ذكرت أنني نموذج للإثارة، لكني لم أكن أحب هذه الصفة وما زلت أنفر منها. إنها لا تعني لي شيئاً. هدفت دائماً للتمثيل بصرف النظر عن وضعية الدور المسند إليّ. وفي سبيل ذلك عانيت كثيراً. لم تكن رحلتي ناجحة أو سهلة طوال الوقت.
* لكن ما هو الوصف الذي تعجبين به أكثر من سواه؟ بماذا تريدين أن يذكرك الناس؟
- أولاً أنا إنسانة عادية. لا أحب أن يعتقد الناس أنني نجمة أو أنني ممثلة إغراء أو ما شابه ذلك. هذا يقلل من قيمتي كإنسانة وكفنانة ومن تاريخي أيضاً. لست بحاجة لذلك. مثلت مع مخرجين كبار.
* مثل فيسكونتي، إحدى القمم العالمية الراسخة في السينما.
- تماماً. كان مبدعاً حقيقياً. مثلت معه أربعة أفلام.
* ما هي الفترة الأقسى في حياتك إذاً؟
- هي الفترة الأولى من حياتي. كنت أعمل تحت إشراف منتج كبير (تقصد فرانكو كرستالدي) وكنا ننجز أربعة أفلام في السنة. كان منتجاً ناجحاً وكبيراً، لكني كنت مفلسة طوال الوقت. لم أكن أملك أي مال في حسابي.
* كرستالدي أنتج لك الكثير من الأفلام حتى السبعينات. أليس كذلك؟
- نعم. تزوّجنا لاحقاً لكني تطلقت منه وشعرت حين فعلت بالاستقلالية الكاملة.
* هل ساهم في صنع النجمة التي أحببناها آنذاك؟
- طبعاً. هذا ليس قابلاً للنكران. كان يدير عملي بحكمة لكن بسلطة. أقصد أنني كنت في كثير من الأوقات لا أشعر بأن عليّ أن أمثل هذا الفيلم أو ذاك لكنه إذا لم يوافقني كان عليّ أن أوافق على ما يقرره لي. لم تكن عندي حاجة شخصية لكي أظهر في أفلام كثيرة كل سنة، لكن كل ذلك صنع مني نجمة كما تقول. في الوقت ذاته من يستطيع القول إنني لن أكون نجمة لو مثلت أفلاماً أقل؟
* ثم تزوّجت المنتج باسكال سكويتييري. ما الذي اختلف عملياً بين الاثنين؟
- باسكال منحني الحرية التي كنت أريدها. صرت أستطيع أن اختلي بنفسي وأقرأ السيناريوهات بتمهل وبتمعن. إنها الفترة التي شعرت فيها بأنني مستقلة بالفعل. وبدأت مسيرتي بهذا النفس الجديد.
* هل تحنين للماضي؟
- لا. لست من هذا النوع وما زلت أمثل. لدي فيلمان جديدان هذا العام.
* أحد أفلامك الأولى كان «جحا» مع عمر الشريف.
- نعم كان فيلمي الأول أو الثاني وصورناه في تونس وعمري ست عشرة سنة. تأخذني إلى رحلة في الماضي حتى ولو لم أرغب في ذلك. عمر الشريف كان إنساناً رقيقاً كما عرفته. كنت صغيرة لذلك لا أستطيع أن أقول شيئاً محدداً عن موهبته كممثل حينها. لاحقاً عرفت كم هو بالفعل ممثل موهوب لجانب أنه كان إنساناً رقيقاً إذا ما عرفته عن قرب.
* على ذكر تونس، هل تكنين لها شعوراً خاصاً؟
- نعم، لكنه شعور متبادل. يدعونني إلى هناك مرات كثيرة. أسكن في أفضل الفنادق ويسهرون على راحتي ولا أدفع أي مال لقاء مكوثي أو طعامي. آكل ببلاش (تضحك).
* لكني أتحدث عن الشعور العام تجاه تونس كونك ولدت فيها.
- نعم أشعر صوبها بكثير من الدفء الداخلي. ورغم أني لم أعد المرأة الشابة والسنوات تباعدت عن العام الذي ولدت فيه، إلا أن للمكان الذي ولدت فيه موقعاً خاصاً.
* لوكينو فيسكونتي أحد أفضل المخرجين الذين مثلت تحت إدارتهم. هل توافقين أيضاً على أن أفضل أفلامه معك كان «الفهد»؟
- فيسكونتي كان مبدعاً جداً، ولدي ذكريات كثيرة مع ألان ديلون في ذلك الفيلم. كل مشهد مثلناه معاً كان مدروساً. كما قلت فيسكونتي كان أستاذاً يعلمنا التمثيل في الوقت الذي كنا نصوّر فيه أفلامنا معه.
* ظهرت أيضاً في «ذات مرّة في الغرب» لسيرجيو ليوني. كيف كان معك؟
- هو أيضا مخرج محترف. يعرف ما يريده من الممثل ويحاول إرشاده إذا ما وجد أنه لا يعطيه ما يريده هو. بعض المخرجين يتراجعون عن ذلك. يستسلمون للممثل خصوصاً إذا ما كان مشهوراً.
* لو أتيح لك أن تعودي إلى الماضي وتبدأي من جديد، ماذا تغيرين في حياتك؟
- لا أعتقد أنني كنت سأغير أي شيء؛ لأنني لم أفعل سوى التمثيل في حياتي، فكيف أغير ذلك؟ مثلت في 180 فيلماً ومسلسلاً ولو عدت إلى الوراء لن أستطيع أن أفعل أي شيء. ربما استغنيت عن بعض الأفلام لكن لا شيء كثيراً أريد تغييره.
* في المقابل، ما النصيحة التي توجهينها إلى الممثلات الناشئات؟
- نصحيتي أن تدرس الممثلة خطواتها جيداً وتعرف أنها تنجح إذا ما كانت جادة في مطاردة حلمها بأن تمثل الأدوار الكبيرة والمهمة على الشاشة. لا تستعجل الخطوات بل عليها استحواذ الفرص المناسبة لما تريد هي أن تقوم به. هناك عقبات وصعاب، فليس كل شيء يأتينا على نحو سهل، لكن عندما نحقق ما نريد فإن النجاح يلغي كل المتاعب. وهذه هي أيضاً نصيحتي للممثلين الرجال.
* من من الممثلين الأمريكيين تعرفت عليهم وكونت معهم صداقة وطيدة؟ أسأل لأن صحفياً قديماً أخبرني ذات مرّة أنك كنت صديقة لمارلين مونرو. هل هذا صحيح؟
- صحيح تماماً. التقيت بها في زيارتي الأولى لهوليوود وسألتني أين أقيم، ذكرت لها اسم أحد الفنادق. مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت مفتاح بيتها وقالت: بيتي بيتك. ترددت ثم قبلت ولا أنسى هذا الكرم الذي واجهتني به. تعرفت كذلك على روك هدسون وكان لطيفاً جداً معي وأكن معزة خاصة لريتا هيوارث وجون واين.
* ما الانطباع الذي خرجت به حين التقيت بهما؟
ــ ريتا كانت امرأة بالغة الجمال ورقيقة. جون واين كان عملاقاً. يداه كبيرتان. كنت ما زلت في السادسة عشرة عندما التقيت به وبدوت أمامه مثل طفلة.
* ما رأيك بالممثل الإيطالي مارشيللو ماستروياني؟ أعتقد أنك مثلت معه عدة مرات.
- مثلت معه أربعة أفلام وهو إنسان لطيف عموماً، لكنه مُلح. حاول التقرب مني مرات عديدة لكني صددته في كل مرّة.
* مارلون براندو كان مولعاً بك على ما أظن.
- نعم.
* لماذا تعتقدين أنك كنت مصدر جاذبية للممثلين؟
- (تضحك) كلنا في وقت مضى كنا مجذوبين صوب الآخرين، وكان الآخرون مجذوبين صوبنا. هذا يحدث دائماً وفي كل مكان وفي كل مهنة، لكن بالنسبة لي كنت أمثل المرأة الإيطالية الجميلة وربما كنت أوحي بأني نموذج للممثلة الإيطالية. لا أدري بالفعل.
* عندما لا تكونين مشغولة بالعمل، كيف تقضين حالياً أوقاتك؟
- أعيش في ضاحية لو مارييس في باريس. إنها ضاحية جميلة جداً ولدي منزل أعيش فيه مع ابنتي. نخرج معاً ونتسوق ونأكل أحياناً في مطاعم باريس المختلفة. أعيش حياة سعيدة جداً هكذا. أنا ولدت في تونس وثقافتي أوروبية وللأسف لم أستطع التكيف جيداً مع أمريكا. ليست المكان المناسب لدي للعيش. إنها ذات ثقافة مختلفة. أمضيت بها أوقاتاً جميلة لكني ما زلت أفضل العيش في باريس.