ما هي حقيقة فلسطين؟ ما مصير فلسطين، ما ذنبها فيما وقع لها؟ وما الذي أفضى بها الى هذا المصير البائس؟ ولماذا يختلف السياسيون في الشرق والغرب حول تشخيص علة فلسطين؟ أو حتى التفكير في مصيرها في هذه الحقبة المضطربة من التاريخ بالرغم من أن العالم قد نما ونمت معه وفيه الحياة، كماً وكيفاً ومكاناً وزماناً . فلم يعد ثمة إنسان يحصر تفكيره في نطاق مدينته، أو وطنه، بل ولا قارته، إنما أصبح تفكيره ذا مجال عالمي وكذلك من حيث الزمان، ولم يعد يقتصر على التاريخ بل ارتفع الى ما قبل التاريخ، وتولدت عن ذلك رغبات جديدة في النفس الإنسانية فأضحت تطمح ببصرها إلى أقصى مدى في المكان والزمان، وترفل في فيض نواقيس الإيمان المطلق بأن الإنسان غاية وليس وسيلة، والحضارة كلها مرتبة لكل إنسان ولكل ذات انسانية متشابهة في همومها والآمها وأحزانها .

إلا أن القضية الكبرى هي مأساة فلسطين التي تنبثق وتستند إلى الآلام واللامعقول اتقاءً لسلم الأحزان، وهي نتيجة عدم التوازن في قاعدة القوة والتعقيدات السياسية والدبلوماسية والتاريخية الكثيفة المحيطة بالهيكل الخارجي لإسرائيل وأطرها النظرية والتراتيبية والبرجماتية من خلال التلون في إدارة الأزمات السلبية، المتناقضة في الوجود الماهوي وفي الأفعال والعلل الافتراضية تحت تيار العنف، وهو التيار الذي قضى على سيادة العقل، وجعل للإرادة السيادة في الحياة وفي الوجود الفلسطيني كله بوجه عام .

وتشير دراسة للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى مقتل أكثر من 1500 طفل تحت سن الثامنة عشرة على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ انتفاضة الأقصى، وإصابة أكثر من 18،000 طفل، ناهيك عن وجود نسبة كبيرة من الأطفال المعاقين داخل سجون الاحتلال، ممن يعانون من صدمات نفسية نتيجة أجواء الحرب والعنف . فإسرائيل تمارس أبشع أنواع الجرائم ضدهم مخالفة بذلك كافة القوانين والمواثيق الدولية واتفاقية اعلان حقوق الطفل على وجه الخصوص، حيث نص البند الأول من المادة 37 من الاتفاقية على أن تكفل الدول الأطراف ألا يعرض أي طفل للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ولا تفرض عقوبة الإعدام أو السجن مدى الحياة بسبب جرائم يرتكبها أشخاص تقل أعمارهم عن ثماني عشرة سنة من دون وجود إمكانية للإفراج عنهم .

فالجميع حينما يشاهد الأخبار يجد أنها مفجعة موجعة عن الاقتتال والصراخ السياسي الإعلامي، يدعو الى الرثاء والحسرة وعن وطن أطفاله محاصرون ويموتون ببطء . فقد شاهدت في يوم 5/5/2010 على إحدى المحطات التلفزيونية أحد الأشخاص ينشد الموت ولا يعرف لغة يتخاطب بها سوى صرخة استغاثة يطلقها في وجوه الآخرين، بعد أن تكالبت عليه الهموم من كل صوب، الحاجة والخوف والمرض وبؤس الحياة . فهذا الأب الذي يحمل طفلته المعاقة والمصابة بمرض هشاشة العظام الذي أدى إلى كسور في فخذها الأيسر، سرعان ما زحف المرض إلى أجزاء أخرى من جسدها وبدأت عظام الصدر في البروز وصارت عجوزاً في سن الطفولة، وبعد ثلاث سنوات فقدت القدرة على الحركة وصارت مشلولة لا تتحرك ولا تشعر بأحد حولها، وأمها تتعذب وهي ترى ابنتها في هذه الحالة، وعندما يئس والدها أراد نقلها للعلاج إلى خارج فلسطين المحتلة وتقدم بالتماس إلى الجهات المعنية من أجل السماح له بالسفر مع ابنته، وعندما وصل الى نقطة العبور منع من السفر، وبعد أن كادت أنفاسه تنقطع وهو يحمل ابنته على يديه . فما كاد ينتقل عائداً إلى منزله مروراً بالحواجز والسدود حتى انطلقت القذائف وسقطت على الطفلة وأخذت تتلوى ألما وتنزف دماً، وبدأ الأب يتحسس أنفاسها، يتلمس أثار وجودها، يبحث عن رائحتها عن صوتها الذي أذابه الرصاص ثم صرخ يناديها لتنهض إليه فلا تجيب، حاول إنعاشها من دون جدوى، قبّل جبينها وأغلقت عينيها، ثم لفظت النفس الأخير وهي ممدة على الأرض أمام ناظريه، وبدأت حبات الدموع تتأرجح في رموشه كالتبر على بتلات الزهر، ماتت الطفلة المعاقة وانقطع خيط التجبير بعد أن انكسر حوضها وسقط الدم على الأرض وتبعثرت إشلاؤها وسدت شرفات الظلام تحت سقف الليل حتى وصل إلى بيته استقبلتها أمها، جسد بلا روح وأصيبت بنوبة بكاء ثم هوت أمها على صدرها وذرفت الدمع حزناً مودعة ابنتها، ثم بدأت تردد رحمك الله رحمة المساكين وجعل مثواك الجنة، ثم رفعت بصرها إلى وجنتيها وبدأت تتساءل أحقاً غبت عنا وقميصك خلف الباب يسأل عنك وقوارير الدواء فوق تلك المنضدة، كم شربت منها عندما أعياك الداء ما سئمت، واليوم رصاصة المغتصب الظالم قتلتك في غيوم النهار وهي تنظر إليها، فامتدت ذراعاها إلى الملاءة البيضاء وارتمت خصلة من شعرها كعقد اللؤلو البارق على جبهتها تنشد ثورة تحرير الوطن في فلسطين لتنير ظلمات الحرية والنبض من أعلى صوت، ثم حملوها بعد أن كفنوها بالقماش الأبيض ومروا بجانب شجرة الزيتون العالية في ضمير الزمان وأبعاد التاريخ، وحقيقة هذه الحياة والمصير وهي تعانق السماء، تردد صدى الأطفال الذين ماتوا ومروا من هنا وترانيم الطيور تسبيحاً لله بارئ الوجود كله ذلك القادر المالك لزمام الموت والحياة .

هذه الشجرة تشهد على أن هؤلاء الأقوام عاشوا على هذه الأرض فحرثوها وشقوا باطنها منذ الآف السنين، وهم أصحاب هذه الأرض . وفي كل لحظة عندما يجف عود أو شجرة تستوفي أجلها فتتحول إلى حطام، ومن هذا الحطام توجد الحبة الجديدة الساكنة المتهيئة للحياة والإنبات، وفي كل لحظة تدب الحياة في جنين هذه الأرض . أنها دورة دائبة لن تموت لتؤكد للبشرية عما يفعله المحتل في أرضهم ووطنهم الذي يغرق يومياً في بحار الموت والحزن والجوع وجمرة الروح وحصار العاصفة وحصار العدوان برداء ليل

أبناء حام بن نوح العسكريين ومعتقدات الغول والغيلة والاغتيال في النار .

* كاتب من الإمارات