تقرير صحيفة صن الذي نشر قبل بضعة أيام وكشف أن الولايات المتحدة خطّطت لتفجير قنبلة نووية على القمر خلال الحرب الباردة لا يضيف سوى المعلومة الهوليودية المثيرة، لكنّه لا يتجاوز سقف ما هو متوقّع من حكومات الولايات المتحدة . خيال القادة العسكريين الأمريكيين قادهم لوضع خطّة سرية تحت اسم (مشروع 119 أي) القاضية بإسقاط الرعب من القمر عبر إشعاعات يبعثها تفجير نووي يمكن مشاهدتها من الأرض، في إطار عرض العضلات واستعراض القوة لتخويف الاتحاد السوفييتي الذي كان يحقق إنجازات مذهلة على مستوى غزو الفضاء، فيما الولايات المتحدة غارقة في تبني الغزاة ونهب الشعوب .
التقرير يقول إن القادة العسكريين الأمريكيين تخلّوا عن فكرة تفجير القمر التي كان من المفترض أن تقع عام ،1959 بسبب مخاوفهم من تأثير ذلك في الأرض في حال فشل التفجير . أمر غريب، ففي العادة تولد المخاوف في لحظة ميلاد الفكرة الجنونية، وهل هناك عملية متهوّرة لا تحمل في طياتها مخاطر؟
فكرة تفجير القمر تلك لم تكن هي الفكرة الجنونية الوحيدة في عقل الإمبريالية المتوحّشة، فالرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان كان صاحب مشروع حرب النجوم تحت عنوان مبادرة الدفاع الاستراتيجي في ثمانينات القرن الماضي، وكانت ترجمته تعني نقل صواريخ نووية إلى الفضاء وتوجيهها نحو الاتحاد السوفييتي . لم ينس ريغان في حينه أن يدعو حلفاء أمريكا إلى المشاركة في المشروع المروّع ذاك، مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإسرائيل . فإذا كانت الولايات المتحدة تستهدف الاتحاد السوفييتي الذي كان ريغان يسميه إمبراطورية الشر، فمن الذي كانت إسرائيل تستهدفه لو نفذت الخطة وتسلّمت زراً نووياً في الفضاء؟
لو سلّمنا برواية كل طرف يتسلّح التي تدّعي الدفاع ونحّينا جانباً النوايا الحقيقية، فهل يستطيع أي سياسي أو عسكري أو خبير أن يجزم بانتفاء احتمال الخطأ ولو بالحد الأدنى من نسبته؟ وإذا انتفى هذا الاحتمال هل يستطيع أحد أن يتنبأ بشكل تدخّل الطبيعة ومداه؟ الإجابة عن هذين التساؤلين قدمها التاريخ الذي لا يرحم ولا يجامل . في مسيرة الولايات المتحدة أخطاء كارثية مثل انفجار وسقوط المكوك كولومبيا وقبله تشالينجر، فلنتخيّل أن الولايات المتحدة مضت قدماً في برنامج حرب النجوم، وكان المكّوكان المنفجران محمّلين بالصواريخ النووية . كان يمكن لخطأ بسيط أن يهدد كوكب الأرض، ففي مجال كهذا يكون الخطأ الأول هو الخطأ الأخير .
من يحمل رأسه أفكاراً جنونية عليه أن يفكّر بمصير البشرية قبل أن يفكّر في عرض العضلات واستعراض القوّة، وإذا كان استخدام الولايات المتحدة القنبلة النووية في هيروشيما وناغازاكي قد كان نتاج قرار اتخذ عن سبق إصرار وترصّد، فإن كارثة شيرنوبل في الاتحاد السوفييتي نتجت عن خطأ بشري غير مقصود، وإن كارثة المفاعلات اليابانية وأخطرها فوكوشيما نتجت عن غضب الطبيعة، لكن النتائج في كل الحالات متشابهة والثمن تدفعه الإنسانية قتلى وجرحى ومشرّدين ومشوّهين، علاوة على استنزاف هائل لخيرات البشر التي يمكن توظيفها في التنمية ورفع مستوى الحياة في سياق المواجهة مع الموت .
الولايات المتحدة، عدلت عن فكرة تفجير القمر، وواصلت أبحاثها في مجال الفضاء إلى أن تمكنت، في نهاية المطاف، في يوليو/تموز 1969من إرسال رائد الفضاء الأمريكي نيل آرمسترونغ ليمشي على سطح القمر . فما الأفضل أن نسأل التلاميذ مستقبلاً عن اسم وهوية أو إنسان حظي بضيافة القمر، أم عن اسم أول جندي أمريكي دخل محتلاً أرض العراق أو أفغانستان أو الصومال أو لبنان، أو أو أو؟