يتقدم شاب ما زال على مقاعد الدراسة في الجامعة إلى رجل ويطلب منه يد ابنته قائلاً له باللهجة العامية: أنا طالب القرب منك، ولا يفعلها هكذا وبكل هذه العفوية الشعبية إلا شاب عربي هو في الغالب ابن بيئة فلاحية، ربّاه أبوه على الصراحة والشرف، ولكنه إذا كان جريئاً إلى حد طلب القرب وبهذه المصارحة التي دائماً مبعثُها القلب، فلا يعني ذلك أنه شجاع، بل هو نوع من المغامرة، التي أيضاً مبعثها القلب . وبعض الشباب يقع مبكراً في الحب . قلبه يأخذه إلى هذه المغامرة التي قد تكلفه أحياناً جرح كرامته في حال الرفض، ولسان حاله . . أي حال هذا العاشق يقول لو كان القلب أنفاً . . لجدعته باللغة العربية القديمة، أي لقطعته جرياً على قول الإمام علي بن أبي طالب: لو كان الفقر رجلاً لقتلته، لكن القلب لا يمكن أن يكون أنفاً، والفقر ليس رجلاً أبداً كي يمكن قتله .

بعد ذلك ما علاقة القلب والفقر بالحب؟

العلاقة فقط في الكناية والمجاز . .

اللغة الإشارية المواربة عندما تسقط على لسان شخص لم يتلوّث بالكلام والثرثرة تعطي المعنى ثراءً شعرياً من دون أن يعرف هذا الذي يريد طلب القرب أنه شاعر، وهكذا ومن دون أن يعرفوا شيئاً في الحياة يبدو الفقراء والعشاق شعراء بالفطرة لأن الذي في قلوبهم على ألسنتهم .

لسان حالهم يقول: ما في قلبي على لساني .

وهنا حكاية شاب هندي في العشرين من عمره هو الآخر قلبه على لسانه، وأكثر من ذلك، حياته كلها على شجرة، فقد اكتشف أن زوجته على علاقة مع رجل آخر، فما كان منه إلا أن تسلّق شجرة جوافة، وهناك على الشجرة عاش حياته كما يعيش أي إنسان على هذا الكوكب الأرضي الجميل . يأكل ويشرب وقد عمل لنفسه ما يشبه العزلة الصوفية فوق شجرة، قال إنه لن يغادر حياته هذه إلا إذا قدّمت زوجته اعتذاراً عمّا فعلته، لكن الزوجة لم تعتذر وقالت إنها لن تعتذر . . وبقي الرجل معلقاً على شجرة الجوّافة .

للقارئ العزيز . . هناك كتاب صغير عبارة عن حوار طويل مع الروائي غابرييل غارسيا ماركيز جاء تحت عنوان رائحة الجوّافة، وفي الكتاب الذي حوّله الصحفي الذكي من حوار إلى ما يشبه الرواية تتعرّف إلى حياة إنسان، هو الآخر فقير ولكنه عاشق . إنه شجاع من نوع آخر، فقد تغلّب على بؤسه، وأخذ جائزة نوبل من دون أن يطلب اعتذاراً من أحد فوق شجرة جوّافة .

لا تطلب القرب من أحد إذا كان قلبك ضعيفاً . .

ثم لا تتسلق الأشجار، ولا تعتذر أبداً عمّا فعلت .

[email protected]