وضع حجر الأساس وفوقه نقشة اليونان والرومان بلا ملمح شرقي مصري أو هندي. تجاوز المفهوم الجغرافيا المحصورة بأوروبا وقفز فوقها ليضم أمريكا، وابتعد عن انقسامات روما والقسطنطينية والبروتستانتية والكاثوليكية كما تجاوز الاشتراكية والرأسمالية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهضة الصين. وسقطت الجغرافيا مجدداً في الاقتصاد لتصبح اليابان ودول النمور الآسيوية في الغرب مع أنّها في حضن إشراقة الشمس، وطغى على العقل الانقسام المبتكر بين الشمال الصناعي «الحضاري» والجنوب المستورد و«المتخلّف» والفقير. اندثرت مصطلحات العالم الثالث والشمال والجنوب التي ضمرت إلى مستويات ضيقة ومبهمة. صار السؤال يفرّخ أسئلة: أين تقع أمريكا وبريطانيا وأوروبا الخارجة من الدولة القومية إلى الاتّحاد والمصابة بحنين نرجسي إلى الأصل القومي والديني؟
أين يقع الشرق؟ أين يقع المسيحيون والمسلمون بين الغرب والشرق وفي أي شرق وأي غرب وما هو مستقبلهم؟ وما مصير العلاقات الجديدة المستيقظة بين الإسلام والغرب وبين المسيحيين والمسلمين أو بين المذاهب الإسلامية كما بين المسيحيين الساعين إلى سقوط الجدران السميكة الفاصلة بينهم ؟
لست مربكاً بالجواب الصعب المحكوم بعلاقات لا حدود، لنزاعاتها تشبه علاقات قايين وهابيل الذي لم يمت بحجر شقيقه إلاّ في ربيع العرب المستورد. يصعب خفي العجز في فكّ الارتباط بين الشرق والغرب المختلطين إلى ما لا يشبه اختلاط الزيت بالماء ولا السكّر بالماء؛ بل إلى كليهما معاً بما يجعلهما قاراتٍ مفتّتة في الاندفاع التصالحي والعدائي المترجرج بلا وجهةٍ معينة أو هدف واضح، وحتّى من دون أي تصوّر ناجح لما سيرمينا فيه المستقبل. ولست تائهاً بموروثات الغرب والشرق ومنجزاتهما الفكرية والإيديولوجية والدينية والسياسية والثورية والتدميرية والنقدية لرسم الحدود المستحيلة بينهما تتقدّمها التوازنات الدولية الاقتصاديّة الكبرى، التي لم تعد رهينة الإرادات الحازمة في إدارة الدول أو القرارات المركزية في ضبط سياقات التداخلات التجارية والثقافية بقدر ما هي مركونة بما صار يعرف بالسوق الدولية تجاوزاً لاختلاط السياسة بالتاريخ والجغرافيا والأعراق والأديان والإيديولوجيات.
يقيم ضجيج هذا السؤال حول موقع الغرب بعدما طرحه علينا قبل أربعين سنة المستشرق الفرنسي جاك بيرك، في الكوليج دو فرانس. كان يرجّح الفرضيّة بأنّ اقتران أمريكا وأوروبا تم في ال 1945، وفق ثلاثة مهمّات: إسقاط الشيوعية وإشاعة الديمقراطية وتكريس الأسواق الحرّة في العالم. كانت النظرة الدينية مغايرةً بين القارتين على اعتبار أنّ أمريكا ولدت مضمّخة بالإيمان المسيحي مع ظهور الحداثة في أوروبا، ولكنّها لم تشارك ولم تشعر بعناء تجاربها وليس هناك من تاريخ خاص يضغط به عليها، وهي تشبه اليابان التي لم تحتج إلى مقدمات وتجارب ومعاناة وفترات انتقالية أي من دون أعباء النهضات والعقلانيات التي رفعتها وأشاعتها أوروبا.
لنقل إنّ الغرب الأمريكي استعان بالمسلمين الذين وقعوا في فجوة السقوط وكوارثها. بالمقابل، كانت النتائج عينها مقلقة لأوروبا الغربيّة الموحّدة حيال التدفّقات الأوروبية الشرقية عليها، وتوسّع الافتراق عندما صبّ الغرب الأمريكي عظمته على 11 سبتمبر /أيلول 2001، معلناً محور الشر والمباشرة وخلع أبواب الشرق الإسلامي من العراق؛ حيث تعمّق الافتراق وطغت التحالفات، وصولاً إلى احتراق زهرة الياسمين في تونس ثم احتراقها وتفتّحها مجدداً في دمشق. أين يقع الغرب بعد ذلك؟ وأين يرمي الباحثون ركام النظريات والكتب التي صبغت عصرنا بصراع الحضارات والثقافات أو بحوارها وتجاورها وتكاملها؟.
مع أنّني أعلنت في «الخليج» فكرة: «انتحار الحضارات» عنوان مؤلفي المقبل مبتعداً عن كلّ هذه العناوين التي تراكمت في طريقنا، فإنّ السؤال المتشعّب بحثاً عن الغرب والشرق يحضر بقوّة بعدما راحت الولايات المتّحدة الأمريكية ترسّخ شعارها مع ترامب مؤخّراً: أمريكا أوّلاً. ثمّ راحت تخرج من شراكاتها الدولية تباعاً ومن أعبائها المالية الكبيرة قياساً إلى أعباء الدول الأخرى باعتبار أنّ النظرة العالمية إلى أمريكا كادت لتسمّيها دولة العالم. ها هي تخلع معطف الألف واللام لتصبح لا الدولة العظمى بل دولة عظمى ترصد الميزانيات الضخمة لرفع جدران الباطون المسلّح مع جيرانها في المكسيك، وتمحو القدس وفلسطين بالواسطة، وهي في الوقت الذي تهندس قوميتها، تدسّ أيديها الكثيرة في جيوب الدول الكثيرة شرقاً وغرباً لتغذية ميزانياتها ومطّ أسواقها ثمّ تباشر بسحب بقايا قوّاتها من سوريّا التي تفتح ذراعيها لعودة العرب والجامعة العربيّة إليها أو عودتها إليهم.
أين يقع الغرب؟
السؤال الذي لن نقرأ جوابه النهائي، لا لأنّه يشبه التفاحة التي سقطت فوق رأس نيوتن وفجّته ليخلد إلى الراحة، بعدما اكتشف قانون الجاذبية وعلّق اسمه فوق جبهة العلم، بل لأنّه سؤال أشبّهه بالراقصة سالوميه التي تلبس ثياب الأرض فتخالها المرأة/المرآة التي تتزيّن في الأمكنة والأزمنة كلّها ولن تراها جيّداً.
أين يقع الغرب؟
5 يناير 2019 02:58 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 يناير 02:58 2019
شارك
د.نسيم الخوري