الغرور يقتل صاحبه . . كتب النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام: بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك، فلما قرأ كسرى الرسالة مزقها وأبى واستكبر، وبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال مزق الله ملكه فكان مقتل كسرى على يد إبنه شيرويه الذي ما لبث أن قتل ثم قتل قاتله وتمزق ملك كسرى على يد من استهزأ بهم، وسقط الملك الساساني المجوسي إلى الابد على يد القائد العربي المسلم في معركة القادسية وقتل رستم قائد الفرس ولحق به يزدجرد ملكهم ودخل سعد، رضي الله عنه، بالمسلمين المدائن واتخذ إيوان كسرى مصلى وهو يردد قول الله تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَناتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ)، وتمزق ملك كسرى إلى الأبد كما بشر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتحقق ما رواه عنه أبو هريرة، رضي الله عنه، إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزها في سبيل الله .
ودخل الإسلام فارس وأضاء ربوعها، لكن بعض النفوس الضعيفة ظل في داخلها ذلك الحلم الذي انتهى إلى الأبد بإعاده الملك الممزق وإحياء فارس كسرى، بالرغم من إسلامهم متناسين قول من لا ينطق عن الهوى، ولأن الغرور يقتل صاحبه أقام شاهنشاه إيران إبان ملكه احتفالاته في برسيبوليس لمناسبة مرور ألفين وخمسمئة عام على قيام مملكة فارس، أو عرش الطاووس، الذي اعتبرت بدايته حكم قورش مؤسس الدولة الأخمينية عام 559 قبل الميلاد، رامياً من وراء الاحتفالات إلغاء الطابع الإسلامي لإيران، واعتبار المؤسسة الإيرانية استمراراً للحكم والحضارة في عهد المجوس، لذلك ألغى التاريخ الهجري الإسلامي العربي وأحل محله التاريخ الفارسي، محاولاً إعادة دور كسرى أنوشروان، وتحول إلى طاغية أعماه صولجانه وقوته وجيشه فعتا وتجبر، فسطا على أرضٍ ليست أرضه مستغلاً ضعف حال الإمارات المتصالحة آنذاك وتواطؤ المستعمر البريطاني، فكان احتلاله جزر الإمارات أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى مع بداية تكون دولة الإمارات العربية المتحدة والانسحاب البريطاني .
ولأن الحكمة ضالة المؤمن سعى حكام الإمارات وقادتها إلى التفاهم مع الغازي والمحتل بالحكمة والموعظة الحسنة وبالمنطق والعدل، مطالبين إما بالتفاهم الثنائي والالتجاء للمنطق والعقل والمسار التاريخي للمنطقة عارضين وثائقهم وبراهينهم وأدلتهم، وإما باللجوء إلى محكمة العدل الدولية لتحكم حسب ما يقدمة كل طرف من أدلة ووثائق وبراهين على صدقيته في ما يقول ويدعي، لكن التسويف والغطرسة ومنطق القوة والغرور والحلم بإحياء ملك كسرى لم تدع أي مجال للحل، وإن قول المصطفى، صلى الله عليه وسلم، لا يأتيه الباطل فكانت الثورة الإسلامية في إيران، التي أجبرت، ملك الملوك، كما سمى نفسه على الهروب إلى الأبد، ثم الموت خارج بلاده ونهاية حلمه . واستبشرنا خيراً مع قيام جمهورية إسلامية في إيران، إذ صرح قائدها الخميني عدة مرات بأن التفاهم والحل بشأن الجزر سيكون، وأن من له حق سيأخذه . لكن يبدو أن الحلم القديم بإحياء الملك الكسروي ظل في نفوس البعض، رغم الظاهر الإسلامي، ولأن الغرور يقتل صاحبه، زار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد جزيرة أبوموسى الإماراتية المحتلة، وصرح بأن كل الوثائق التاريخية تثبت أن جزيرة أبوموسى جزيرة إيرانية، وأن الحقائق واضحة كالشمس ولا يمكن إثارة التساؤل حول حقيقتها، وأن الحضارة في هذه المنطقة كانت دائماً فارسية، وزاد في الصلف والغطرسة بعض أعضاء مجلس الشورى الإسلامي الإيراني الذين صرح بعضهم باستغرابه من ردة الفعل الإماراتية لأن الجزر إيرانية، مثلها مثل أية محافظة إيرانية، داعياً للتصدي بحزم للمسؤولين الإماراتيين مع إعادة النظر في التبادل الاقتصادي مع الإمارات، لأن الإمارات ستواجه أزمة اقتصادية إذا أعادت إيران النظر في حجم التبادل الاقتصادي، وصرح آخر بأن مزاعم الإمارات بشأن الجزر واهية .
ولا نقول لمن تناسى أن اسم جمهوريته وثورته تعلّق بالإسلام وتسمى به، ونسي وتناسى أن الحضارة الإسلامية هي من نشر نور الله على أيدي الفاتحين العرب المسلمين الذي أطاحوا عبادة النار ناشرين الدعوة لله والإسلام، فأصبحت فارس في ظل الإسلام منارة للنور والمعرفة وبلسان عربي مبين، وزاح عنها ما رانت تحته من وثنية . لا ننكر أن لفارس حضارة، لكن أيضاً للعرب حضارة .
إخواننا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا نقول إلا تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، إن كنتم تملكون الثقة بعدالة حقوقكم في الجزر فانشروا وثائقكم أمام العالم وسننشر وثائقنا ونحكم العقل والمنطق والعدل والقسط، ويأخذ كل ذي حقٍ حقه، فنحن وأنتم مسلمون يجمعنا دين واحد فدعونا نطبق قوله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِن اللهَ يُحِب الْمُقْسِطِينَ، وهل هناك أجمل من العدل والقسط؟
هل أنتم منتهون؟ هل أنتم سامعون؟ هل تفيئون إلى أمر الله، وتنسون منطق الغاب والغطرسة والقوة والحلم الفارسي القديم بإحياء إمبراطورية كسرى الذي لن يتحقق لأن أمر الله غالب ورسوله لا ينطق عن الهوى؟
وتأكدوا أنه مهما طال الزمن فلن يضيع حق وراءه مطالب .