د. إدريس لكريني

أسهمت نهاية الحرب الباردة وما تلاها من متغيرات دولية متعددة ومتسارعة (بروز الولايات المتحدة كقطب مهيمن؛ تفعيل وتطوير وتوسيع مهام حلف شمال الأطلسي..)، في مراكمة مجموعة من السوابق التي تصب في مجملها في اتجاه تراجع العديد من مبادئ القانون الدولي التقليدية، وقد زاد من هذه التوجهات الركود الذي يعانيه القانون الدولي، وعدم تحمل الأمم المتحدة مسؤولياتها ومهامها المتعلقة بالمحافظة على السلم والأمن الدوليين.

سمحت هذه الظروف والعوامل بانتقال التدخل الدولي من مجرد استثناءات منصوص عليها في الميثاق الأممي، إلى ما يشبه القاعدة العامة بعد اللجوء مباشرة لإعمال هذه التدخلات من دون إعطاء الفرص الكافية لإعمال خيارات وبدائل ودية ودبلوماسية أخرى، وتندرج في هذا السياق العديد من التدخلات التي باشرها مجلس الأمن (قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991 القاضي بالتدخل لحماية الأكراد في العراق، وقرار المجلس رقم 794 لعام 1993 القاضي بالتدخل الإنساني في الصومال..).
وقد أثار تنامي التدخل بأشكاله وأطرافه ودوافعه المختلفة نقاشات واسعة بصدد شرعية أو ضرورات هذه الممارسات.
نص ميثاق الأمم المتحدة في الفقرة السابعة من المادة الثانية صراحة على عدم جواز التدخل في الشؤون التي تعد من صميم السلطان الداخلي للدول، ونظراً لأهمية هذا المبدأ فقد تم تضمينه في مختلف مواثيق المنظمات الدولية والإقليمية.

وينطوي المفهوم على حظر كل الأعمال والسلوكات (سياسية، واقتصادية، وعسكرية..) والتصريحات التي تصدرها، أو تقوم بها جهات أجنبية (دول، ومنظمات دولية..) بشأن قضايا ومشكلات تندرج ضمن الاختصاص الداخلي لدولة أخرى ذات سيادة.
وكما هو الشأن بالنسبة إلى العديد من الاصطلاحات المهمة والخطرة في الآن نفسه، الواردة في الميثاق الأممي (السلم والأمن الدوليين؛ وتهديد السلم والأمن الدوليين، والعدوان..)، ورد اصطلاح الاختصاص الداخلي مبهماً وغامضاً ومن دون حدود، الأمر الذي أدى إلى بروز خلافات حادة داخل الأمم المتحدة حول الجهة التي من حقها تحديد مجال هذا الاختصاص، ومن أين يبتدئ؟ وأين ينتهي؟ وبين أحقية محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن في هذا الشأن.
ولم تخفِ الكثير من الدول (الضعيفة) تخوفاتها من إمكانية استثمار الدول الكبرى إمكاناتها داخل المجلس والإقدام على التوسع في تكييف استثناءات التدخل المرتبطة بحق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن النفس بموجب المادة 51 من الميثاق، وتحريك آليات نظام الأمن الجماعي بموجب المادتين 41 و42 منه، وهو ما حدا بها الدول (الضعيفة) نحو تكثيف جهودها لإصدار العديد من القرارات التي تعزز سيادتها من داخل الجمعية العامة، كما هو الأمر في القرار2131 /1965 المرتبط برفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحماية استقلالها وسيادتها، والقرار 2625/ 1970 المرتبط بمبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، والقرار الصادر بتاريخ 14-12-1962 المرتبط بالسيادة الدائمة على الموارد الطبيعية.
كما أن محكمة العدل الدولية بدورها أثرت القانون الدولي بالعديد من الاجتهادات التي تعزز وتؤمّن سيادة الدول، وتحرص على منع التدخل بكل أشكاله؛ ونذكر في هذا الخصوص قضية كورفو (1949) وقضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا (1986).

لقد أسهمت نهاية الحرب الباردة بشكل كبير في دفع أطراف المجتمع الدولي إلى الالتفات إلى قضايا ومشكلات دولية جديدة لا تخلو من أهمية وخطورة في الآن نفسه، كالمشكلات الناجمة عن التحولات الديمقراطية، أو خرق حقوق الإنسان أو الصراعات العرقية والإثنية الداخلية، والمشكلات البيئية، والإرهاب، والهجرة، وتهريب الأسلحة والمخدرات، والجريمة المنظمة، والأمراض الخطرة العابرة للحدود. ما أسهم في توسيع مدلول السلم والأمن الدوليين الذي ظل مرتبطاً بالهاجس العسكري خلال مدة الحرب الباردة.

كما أن زحف العولمة، وتزايد ظاهرة الاعتماد المتبادل، أسهما في اكتساح مهام ووظائف عدة كانت إلى حين تعد من ضمن الوظائف الأساسية للدولة، وأضيف الهامش الفاصل بين ما هو محلي ودولي، بما أسهم في تراجع المفهوم الصارم للسيادة.

فبعدما كان خرق حقوق الإنسان والتعسف في مواجهته يندرج ضمن الاختصاص الداخلي للدول، حيث استعمل مبدأ السيادة وعدم التدخل ذريعة وغطاء لارتكاب الأنظمة المستبدة لجرائم في حق شعوبها، لم يعد الأمر متاحاً مع تنامي الاهتمامات الدولية بحقوق الإنسان وإحداث المحكمة الجنائية الدولية، حيث أصبح للفرد أهمية كبرى ضمن اهتمامات القانون الدولي، وبرزت مفاهيم واصطلاحات تتعلق ب«واجب التدخل» و«ضرورة التدخل»، بل و«حق التدخل»، أو التدخل بطلب من حكومة شرعية أو التدخل لحماية شعب من الإبادة أثناء الصراعات العرقية الدامية، كتلك التي عرفتها أوروبا الشرقية في السابق.
يرتبط التدخل الإنساني بتقديم المساعدات الإنسانية، وكذا التدخل العسكري لأغراض إنسانية في جانبه الردعي أو الزجري، وغالباً ما يتم بقرار من الأمم المتحدة. وهو ينقسم عادة، إلى تدخل «إنساني» انفرادي تقوم به دولة معينة في دولة ثانية لحماية رعاياها، أو تدخل «إنساني» جماعي في إطار قرار من مجلس الأمن مع تنامي الصراعات الإثنية والعرقية والسياسية داخل الدولة الواحدة، وما تخلفه من مآس إنسانية كبرى.
وأقر الفقه الدولي بشرعية التدخلات التي تتم بشكل اضطراري، إذا اتضح أن الدولة المعنية غير قادرة، أو غير راغبة في حماية مواطنيها، أو أنها هي نفسها الجاني والمتسبب في ما يتعرض له المواطنون من عنف وأضرار، أو تلك التي تتم بناء على اتفاقات مسبقة بين الدولة أو الدول أو المنظمات الدولية المتدخّلة والدولة التي سيتم التدخل فوق ترابها.

غير أن الممارسات الدولية تحفل بحالات يتم توظيف التدخل الإنساني فيها بصورة منحرفة في غياب شروط موضوعية وحالات ضرورية تدعمه، الأمر الذي رفضته العديد من الدول.

وينطوي التدخل بكل أشكاله على مخاطر كبرى مرتبطة بالمس بسيادة الدول، الأمر الذي يفرض تطويقه بمجموعة من الشروط التي تدعم عقلنته وممارسته في الحدود الاستثنائية اللازمة انسجاماً مع مقتضيات القانون الدولي، حتى لا يتحول الأمر إلى وسيلة لتصفية الحسابات وتحقيق المصالح الضيقة.