محمد خالد
أيها الصهاينة، لقد جئتم على ظهر دبابة وسترحلون على ظهر باخرة .
( . . . . .)
في أواخر القرن التاسع عشر (عام 1897) سأل البارون اليهودي (موريس دي هيرش) تيودور هرتزل: أين هي دولة اليهود هذه التي تتكلم عنها؟
فأخرج هرتزل من حقيبته مسودة كتابه "الدولة اليهودية" وكيساً من تراب القدس، وراية عليها النجمة السداسية، ونشيد الأمل للشاعر اليهودي (نفتال هيرش أمير) وقال للبارون: "بهذا الكتاب، وهذه الحفنة من تراب أرض الميعاد، وهذه الراية التي تحمل نجمة داوود، وهذا النشيد الصهيوني الذي كتبه شاعر يهودي مهاجر أستطيع أن أجمع ورائي كل يهود العالم وأسير بهم إلى فلسطين" .
بعد 50 سنة وسبعة أشهر من ذلك اللقاء قامت دولة "إسرائيل" في 15 مايو/أيار 1948 .
كان هرتزل قد عرّف الصهيونية بأنها "الشعب اليهودي في طريقه إلى فلسطين" .
تكفيراً عن ذنبه في المذابح التي اقترفها ضد اليهود، أقام الغرب دولة "إسرائيل" على أرض فلسطين العربية . . "من لا يملك، أعطى لمن لا يستحق" .
إذا أردنا أن نستخدم المسطرة التي يقاس بها حجم الدول والشعوب والتي تقول: "نحن صغار بحجم الخوف الذي نعيشه، وكبار بحجم العدو الذي نختاره"، يجب أن نعترف بأننا كنا صغاراً عندما عشنا، خائفين خلال نصف قرن مضى في ظل أنظمة استبدادية والآن بدأنا نكبر باختيارنا محاربة ثلاثة أعداء: الصهيونية وأمريكا وضعفنا الذاتي .
من المؤسف أن تتزامن الثورات والانتفاضات والاعتصامات العربية مع مطالبة المفاوض الفلسطيني المتوسلة لدول العالم الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967 (22% من أرض فلسطين) ما يعني الاعتراف بأن 78% من أرض فلسطين العربية هي حق للعدو الصهيوني الاستعماري وهذا خطأ تاريخي كبير تبشر الثورات العربية الحالية والقادمة بتصحيحه رغم أملنا أن يباشر الشعب الفلسطيني بذلك ويطالب بشعار أن "فلسطين كلها لنا" وأننا لا نعترف باغتصابها على يد لصوص الأوطان، وأننا لن نكون أقل من الصحفية الرائعة "هيلين توماس" التي قالت وأكدت أكثر من مرة بأن حل قضية الصراع العربي "الإسرائيلي" هو رحيل اليهود "الإسرائيليين" من فلسطين والعودة إلى بلادهم الأصلية في الغرب .
بماذا سنهزمكم؟
سنرتكب نفس "خطأ" قائدكم موشي دايان عندما نشر خطة حرب 1967 قبل وقوعها بفترة طويلة، وعندما سئل: كيف تكشف خططك قبل تنفيذها؟ أجاب: العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا فإنهم لا يفهمون، وإذا فهموا فهم لا يفعلون .
حسناً، سنقول لكم خططنا مسبقاً ونحن نعلم أنكم ستقرأون حتى بعد أن تقرأوا فلن تفهموا .
نذكركم بصرخة الكاتب الفرنسي (البيركامو) ضد النازيين في الحرب العالمية الثانية: "لقد حاصرتمونا بشكل خانق، وخلقتم لدينا الجحافل التي بها سنهزمكم: اليأس" .
في فلسطين جحافل النصر هي جحافل الأمل .
سنهزمكم بالأغنية ونشيد الصباح في المدارس وقهوة الأمهات وزغاريد استقبال الشهداء، سنهزمكم بالمسرح والكتاب والقلم وكراريس الأطفال، بالثوب الفلسطيني والكوفية والعقال والقنباز، سنهزمكم بفلافل عكا وكعك القدس ورغيف الطابون .
سنغرق غواصاتكم بسمك حيفا ويافا والتين والزيتون وعبق زهر البرتقال ورائحة الزعتر والميرمية والياسمين .
سنهزمكم بأجراس الكنائس وتكبير المآذن وبالعهدة العمرية وكرباج المسيح عيسى ابن مريم: "اخرجوا من المعبد يا أولاد الأفاعي" .
على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وأيضاً وأيضاً على هذه الأرض ما يستحق الموت .
سنهزمكم بشعر محمود درويش وسميح القاسم وإبراهيم طوقان وتوفيق زياد وعبدالرحيم محمود .
سنزلزل أركان دولتكم بصوت فيروز، وهي تغني: شوارع القدس العتيقة، راجعون راجعون وجسر العودة وسنرجع يوماً إلى حيفا، وسيف فليشهر .
سنهزمكم بالدبكة والموال والعتابا والميجانا وظريف الطول، سنحرق بالشرر الطالع من عيون أطفالنا وجوه جنودكم المدججين بالسلاح، سنوقف زحف دباباتكم وجرافاتكم بطفل يوقف دبابة بحجر .
سنهزمكم بتلك الصورة الوثائقية لطفل ذي السنوات الأربع وهو يطل من شباك البيت عندما رأى جنود الاحتلال وهم يطاردون أطفال الحجارة عندما قال بالصوت والصورة "أجو ولاد الكلب" .
سنهزمكم بالعصيان المدني والمقاومة الشعبية سلمية وعنفية، وبالأطفال الذين يولدون على الحواجز قبل وصول أمهاتهم إلى المستشفى .
سنخلخل جهازكم الأخلاقي العنصري بقصص غسان كنفاني وكاريكاتير ناجي العلي ولوحات إسماعيل شموط .
سنثقب رؤوسكم بمناقير العصافير الفلسطينية .
سندمر جميع مستوطناتكم بوصية أحمد قعبور لأمه:
"إذا عبروا غدا يا أم أن عبروا على جسدي . . . ومزق فاتح كبدي بسكين . . فضميني إلى جناحيك ضميني . . . وبالأهداب بالأهداب غطيني . . . ولا تدعي شراييني أنابيباً لمن عبروا . . . اعيدي سبك أوراقي، اعيدي غسل أجزائي . . ولا تدعي شراييني أنابيباً لمن عبروا" .
لن نذبحكم بسكين صدئة كما فعلتم بنا . . أن عقابنا لكم سيكون أشد إيلاماً ألف مرة: (سنغفر لكم) .
لقد جئتم على ظهر دبابة، وسترحلون على ظهر باخرة وفي أيديكم أصدق أسفاركم: سفر الخروج .
إنه الوعد الصادق: سنهزمكم .
ففي نهاية المطاف: ستركبون البحر . . ستركبون البحر .