تحلق بنا حنجرة أبوبكر سالم العملاقة إلى أقاصي فضاء البهجة، حين يشدو بالقصيدة المدهشة لحسين المحضار: سر حبي فيك غامض سر حبي ما انكشف، في العتاب المُر الذي يبلغ حد التهديد بالهجر: لا تعذبني وإلا سرت وتركت المكلا لك إذا ما فيك معروف.
قامتان اجتمعتا في هذه الأغنية: الراحل حسين المحضار عملاق القصيدة الشعبية المغناة في اليمن والجزيرة العربية وهو يُلون كلمات الوجد والعتاب فتتطاير من بين أصابعه قصائد فرح، وأبوبكر سالم صاحب خامة الصوت النادرة التي لا يجود بها الزمن كثيراً، وعملاق الأغنية الأصيلة بحنجرته التي تتماوج الموسيقا الخارجة منها، تماوج بحر حضرموت الجميل.
يختزل المحضار الحكمة والبصيرة في جمل دقيقة تشع بالذكاء وتفيض منها الرهافة الإنسانية العالية، وما من حنجرة أوصلت هذا الدفق الخصب سوى حنجرة ابو بكر سالم التي استمرت محافظة على ألقها.
من مدينة شحر بحضرموت أتى حسين المحضار بأشعاره التي يكتبها مُلحنة، ورغم أن مفرداته بسيطة، إلا أنها تنأى عن الركاكة والتبسيط وهشاشة البناء اللغوي، وتتسم بالعمق لما تنطوي عليه من حكم وأقوال ترتقي إلى مصاف الأقوال المأثورة، فهي معجونة بالتجربة الإنسانية التي تجعل منها أشبه بالخلاصات المقطرة التي توجز الخبرة الوجدانية والحياتية في كلمات قليلة لكنها مشحونة بالإيحاء والدلالات، لذا عاشت وتعيش في الحيز المضيء من الذاكرة الغنائية لا في اليمن وحدها، وإنما في منطقة الجزيرة العربية والخليج كلها.
مَن يستمع إلى راغب علامة وهو يؤدي الأغنية ذاتها في ألبومه الأخير سيشفق عليه، حين نلاحظ الفرق الكبير بين الأصل والصدى، بين ذلك الدفق الذي ينداح من حنجرة أبوبكر سالم وبين محاولة التقليد التي لم يسعفها كثيراً التوزيع الموسيقي اللافت في ألبوم علامة.
هناك قامات غنائية لا يمكن محاكاتها، ومن يجرب المحاكاة يُوقع نفسه في ورطة. من يستطيع استعادة حنجرة أم كلثوم وفيروز أو الأداء المتقن لمحمد عبدالوهاب؟
لا أحد على الإطلاق رغم الكثرة الكاثرة ممن حاولوا.
لا يختلف الأمر مع الأداء المدهش لأبوبكر سالم وحنجرته التي لا نظير لها.