هي سابقة أن يمر يوم اللغة العربية التي اعتمدتها الأمم المتحدة لغة رسمية سادسة، متزامناً مع تقرير وزارة الثقافة وتنمية المعرفة في الإمارات العربية المتحدة، الذي تضمن النتائج الأولية لحالة اللغة العربية ومستقبلها، بتوجيه من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله. ففي الواقع ثمة حاجة قوية لتسليط الضوء على لغتنا العربية جراء ما عانته في العقود المنصرمة ولا زالت نتيجة عدة أسباب ذاتية وموضوعية، أرخت بظلال كثيفة على أركانها وقواعدها والعديد من الميزات التي تتمتع بها، خلافاً للغات كثيرة سائدة في المجتمع الدولي.
ففي لغة الأرقام والإحصاءات، تأتي اللغة العربية في مقدمة اللغات التي تحتوي على مفردات ومعاني وكلمات اشتقاقية؛ إذ تصل إلى ما مجموعه 12302912 كلمة، في مقابل 600000 كلمة في اللغة الإنجليزية، تليها اللغة الفرنسية 150000 ومن بعدها اللغة الروسية 130000.
وعلى الرغم من هذا التميز الذي تنفرد به اللغة العربية، دخلت عليها عوامل كثيرة أدت إلى تراجع قوة تداولها حتى في مجتمعاتنا العربية، ودخل عليها كثير من المفردات من اللغات الأجنبية حتى يُخيل للبعض أنها أساسية وأصيلة فيها، بينما هي طارئة، ودخلت على اللغة من قبل البعض لأسباب تبدو تافهة، من بينها مثلاً محاولة إظهار البعض أنهم متميزون عن غيرهم بأنهم يتحدثون لغات إضافية، أو للدلالة على الثراء والتميز الاجتماعي، بينما أدت في واقع الأمر هذه السلوكيات إلى تدهور كثير من أسس اللغة كتابة وتحدثاً وإلقاء، علاوة على انتشار مصطلحات وألفاظ عجيبة غريبة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تظهر اصطلاحات تستخدم مكان الأحرف بطريقة مقززة، إضافة إلى تجاوز علامات التنوين واستبدالها بأحرف متطابقة لها لفظياً، كما جُعل الفاعل منصوباً والمفعول به مرفوعاً، إلى ما هنالك من جرائم لغوية لا تغتفر.
وقد بيّن التقرير الذي أصدرته وزارة الثقافة وتنمية المعرفة الإماراتية أن التعليم الجامعي في العالم العربي يُقصِر استخدام اللغة العربية على العلوم الإنسانية، أما في التخصصات العلمية البحتة فثمة تجارب محدودة جداً للتدريس باللغة العربية.
ومن أهم الجهود في خطة تعريب العلوم، توجّه بعض الجامعات العربية إلى فتح أقسام العربية المختصة في علوم معينة كالإعلام؛ لإثراء الإنتاج المتخصص بالعربية. وبيّنت النتائج أنه في محاولة لحل مشكلة رفد المناهج بالمواد العلمية باللغة العربية، قامت دولة الإمارات بدور رائد في تعريب العلوم في تحدي الترجمة الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في سبتمبر/أيلول 2017 لترجمة محتوى تعليمي شامل وكامل في العلوم والرياضيات، فتم تعريب خمسة آلاف فيديو تعليمي بمعدل 500 شهرياً، وتم تسجيل اشتراك 15 ألف متطوع ومتطوعة من الوطن العربي، وهو ما يخدم تعليم العلوم البحتة في الجامعة من جهتين: تأسيس الطالب لاستيعاب المادة العلمية بالعربية في الجامعة، وبناء قاعدة علمية لإنتاج مادة تعليمية علمية في الجامعة لاحقاً.
كما تبنت الإمارات نشر الوعي العلمي للعموم بترجمة عدة منصات وبرامج علمية مختلفة وإتاحتها للعموم.
فاللغة العربية تمر اليوم كما المتحدثون فيها في وطننا العربي بتحديات كبيرة تستلزم جهداً استثنائياً في عالم باتت اللغات فيه وسيلة مهمة للتواصل في عصر العولمة وانفتاح المجتمعات والدول والمؤسسات على بعضها بعضاً، ويبدو أن ما تختص به اللغة العربية من ميّزات غير متوفرة في غيرها من اللغات، يحتاج لمزيد من العناية الرسمية والمجتمعية بهدف مواكبة تطورات وسائل التواصل والاتصال التي تشكل اللغة وسائلها الأساسية المفترضة.
في المحصلة نمتلك لغة تبدو فريدة من نوعها لجهة القدرة وفاعلية الاشتقاق اللغوي، علاوة على الإعجاز اللغوي الذي أتى به القرآن الكريم، ما يجعلها في طليعة اللغات المحكية في تاريخ البشرية قديماً وحديثاً، الأمر الذي يتطلب كما أسلفنا احتضاناً ورعاية خاصتين، وهو ما قامت به الإمارات العربية المتحدة من جهود غبر مسبوقة.
* رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية.