عبارة بليغة قالها عبدالرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد في مصارع الاستعباد، وقال أيضاً إن الداء استعباد البرية والدواء استرداد الحرية . هاتان العبارتان توصفان الحالة السياسية التي تسود معظم أنظمة الحكم العربية، وتفسر الثورة الجماهيرية الجارفة ضد الاستبداد والفساد الذي جاء على حساب حريات وآدميات الشعوب . ولا شك أن العلاقة وثيقة بين الدائين: الاستبداد والفساد، فالاستبداد لا يستمر إلا في بيئة سياسية فاسدة، والفساد أيضاً لا يكبر وينمو إلا في ظل حكم مستبد .
وبقراءة ظاهرة الاستبداد والفساد يمكن الاستنتاج أنهما سمتان مرتبطتان بالإنسان، وحيث إن هذا الإنسان مخلوق ناقص، فإذا ما أتيحت له الفرصة لأن يمارس نزعة الحكم والسلطة، فإنه يمارسها بأقصى درجاتها، خصوصاً إذا عمد الناس إلى الخضوع والخوف، ولا تصحح هذه النزعة السلطوية والاستبدادية إلا بمعرفة الشعوب لحقوقها، ووقوفها في وجه الحاكم المستبد الذي يمارس استبداده وفساده على هؤلاء الناس، فلا يوجد حاكم مستبد من دون محكومين، هذه هي معادلة الحكم في أي نظام سياسي، والذي يختلف هو طبيعة العقد بين الطرفين، والأساس في هذا العقد هو الشعب الذي يمنح الحاكم حقه في الحكم، والحاكم بسبب نزعته السلطانية يعمل على التحرر ونقض كل بنود وشروط هذا العقد بأن يحوّل شعبه إلى مجرد رعايا من دون حقوق، وكي يضمن استمرار حكمه فإنه يخلق القوى المساندة والمنتفعة من حكمه، وأول خطوة يقوم بها تأسيس أجهزة قمع واحتكار لكل وسائل القوة والإكراه المادية، كما يحتكر وسائل الإعلام ويتدخل في وسائل التنشئة السياسية التي يوظفها لدعم حقه في الحكم، ويتحكم في وسائل الثروة والدخل ليكون الناس تحت رحمته، فتختفي كل مظاهر العدالة الاجتماعية .
وفي مثل هكذا بيئة تظهر بوادر الفساد من خلال حفنة قليلة يخلقها الحاكم، ففي أنظمة الحكم هذه تكون عبارة عن تحالف طفيلي بين طبقة رأسمالية مصطنعة وبين النخبة الحاكمة التي تنحصر في حاشية الحاكم، ولضمان ولائها يمنحها قدراً من الامتيازات المادية .
هذه هي الصورة التي يقوم عليها نظام الحكم المستبد، وهناك بعد آخر في التفسير وهو أن الحاكم المستبد، وعلى الرغم من احتكاره لكل مصادر القوة والثروة، إلا أن هذا النمط من الحكم مصاب بالعمى السياسي، أو بفقدان البصيرة السياسية، فهو لا يرى إلا نفسه، ولا يرى إلا الطبقة الضيقة التي تحيط به، وكأنه يحكم بلا مواطنين، لأن هؤلاء المواطنين ليسوا في دائرة حساباته . والعمى السياسي يجعل من الحاكم لا يعيش إلا لنفسه والاستمتاع بلعبة الحكم التي في الواقع هو يحوّلها لعبة سياسية في يده، وإذا لم تعجبه لعبة يأتي بغيرها، ويتناسى أن هناك شعباً يكبر ويكبر، وأن هناك بيئة سياسية شاملة تتحرك من حوله، وأن كل شيء يتغير، ولكن مشكلة الحاكم وبسبب درجة استبداده لا يشعر بهذا الحراك في البيئة السياسية التي تشبه الزلزال في أعماق الأرض .
فالثقافة الأبوية البطريركية التي يستند إليها الحاكم المستبد، تنهار ويظهر زيفها لأن هذا الحاكم لم يعد يمثل الصورة الإيجابية للأب الذي يحنو على أولاده وأبنائه، وأما ثقافة التقديس وكأن الحاكم يحكم بتفويض إلهي أيضاً، فتنهار أمام التحولات الحداثية والتكنولوجية التي أحدثت ثورة في القيم والمفاهيم السياسية السائدة . وهكذا تبدو الصورة، حاكم مستبد يحكم في زمن غير زمنه، وفي عصر غير عصره، وفي شعب غير الشعب الذي يريد، وفي عالم غير العالم الذي يبنيه ويتخيله لنفسه .
لا شك أن هذه النظم ومهما طال عمرها، مآلها إلى الزوال والاندثار، فهي أنظمة حكم قد تجاوزها زمن ثورات الشعوب ووعيها ونضجها وقدرتها على التغيير، وحقها في استرداد حريتها وحقوقها الطبيعية التي تحدث عنها عبدالرحمن الكواكبي في كتابه الذي أشرنا إليه، فالحرية والحقوق الطبيعية للشعوب لا تستقيمان ولا تتعايشان مع حكم مستبد وفاسد . وهذا هو قانون الحتمية السياسية في التغيير .
* أستاذ العلوم السياسية (غزة)