د. ناجى صادق شراب

تقليدياً، تصنف الدول من منظور القوة، بالدول العظمى والكبرى والمتوسطة والمؤثرة والدول الصغيرة. وكانت دولة الإمارات تصنف بالدولة الصغيرة وهذا في بدايات نشأتها، ومع تطور الدولة وامتلاكها لعناصر القوة الشاملة لم يعد هذا التصنيف صالحاً لقوة الدولة اليوم وتبوّئها مكانة الدولة المؤثرة والفاعلة من منظور القوة الشاملة، بل قد ترقى إلى مرتبة الدولة الكونية في العديد من المؤشرات العالمية، كمؤشرات الرفاهية والخدمات الإنسانية والتسامح والسلام والسعادة.
هذه المكانة يجسدها اليوم جواز سفر الدولة الذي ينافس جوازات الدول الكبرى من حيث السماح لحامليه بالدخول من دون تأشيرة. هذه المكانة الشمولية لعلاقات دولة الإمارات العالمية تفسر لنا تزاحم الدول لإقامة علاقات معها. هذا الدور تقف وراءه عناصر قوة كثيرة أولها الحكم الرشيد ونظامها الاتحادي الذي حوّل الدولة من إمارات صغيرة إلى دولة اتحادية قوية يحسب حسابها، وبقدر قوة الحكم بقدر تراجع أي محاولات للنيل من قوتها. والفضل في قوة دولة الإمارات للرؤية السديدة للقائد المؤسس الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وللأهمية الجيوسياسية للمنطقة التي تشغلها دولة الإمارات في قلب أهم منطقة استراتيجية واقتصادية في العالم. ويرتبط بالحكم الرشيد رؤية القيادة الرشيدة لدور الدولة وأهدافها والحفاظ على قوتها، وقامت هذه الرؤية على الاتزان الاستراتيجي وعلى بناء وتقوية مؤسسات الدولة وبناء الإنسان المواطن القوي، وعدم الانجرار وراء الصراعات الإقليمية والدولية، والتركيز على تشييد بنية القوة التحتية، وتنمية مستدامة واقتصاد قوي متنوع، وبناء قوة عسكرية متطورة تمتلك عناصر القوة التكنولوجية، وتبنى منظومة قيم إنسانية تقوم على السلام والتسامح والخيرية ومد يد العون لكل الدول والشعوب، والمسارعة في معالجة قضايا الفقر والنكبات الإنسانية التي تواجه بعض الدول في إفريقيا وآسيا.
وأدركت هذه الرؤية الرشيدة منذ البداية ماذا يعني الحضور الدولي في كافة المنظمات الدولية والإقليمية والتمسك بقوة الشرعية الدولية وشرعية السلام القائم على العدل. إن قوة الدولة تكمن أيضاً في المواطن القوي المنتمي لدولته، وفي حبه ومشاركته وتمكينه سياسياً وعلمياً، واليوم نرى نماذج كثيرة لهذه المواطنة في العديد من حقول العلم والمعرفة، وفي تولي المناصب السياسية العليا في الدولة، إضافة إلى التمكين السياسي للمرأة.
وبهذه العناصر تكتمل قاعدة وأساس القوة الشاملة للدول، الحاكم الرشيد والمواطن الرشيد، والخلاصة دولة قوية قادرة وفاعلة في مواجهة كل التحديدات والصعوبات.
كما تمثل القاعدة المجتمعية قوة للدولة، فالدولة القوية تستند إلى دعامات اجتماعية تتمثل في المؤسسات الاجتماعية والمدنية التي تربط الحاكم بالمواطن وتشكل قنوات تواصل اجتماعي قوية، وقاعدة حماية لسد كل ثغرات التسلل الخارجي، وتشكل بالتالي إطاراً واقياً ضد كل التيارات والأفكار المتطرفة والمتشددة، كما تدعم هوية الدولة وشخصيتها الوطنية، وهو ما يفسر لنا قدرة المجتمع الإماراتي على استيعاب أكثر من مئتي جنسية تبحث عن الأمن والعمل بحيث باتت تشكل عامل قوة ومساندة للدولة، وهذا عنصر مهم لقوة الدولة. وهناك القوة الاقتصادية وبناء اقتصاد معاصر متنوع لا يعتمد على النفط فقط، بل تطور ليشمل كل القطاعات الاقتصادية من صناعة وزراعة. والعنصر الآخر لقوة الدولة هو منظومة القيم التي تميز الدولة عن غيرها، وتتسم هذه المنظومة بقيم إنسانية مثل السلام والتسامح ونبذ العنف والإرهاب ومحاربته ونشر قيم التعاون والخيرية والإنسانية، وهنا الأمثلة كثيرة، أبرزها «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي وقع عليها بابا الفاتيكان الراحل وشيخ الأزهر على أرض الدولة كي تكون رسالة عالمية في التآخي المشترك الذي يقوم على الإنسانية الواحدة. وهناك عنصر مهم في قوة الدولة يتمثل في القوة الدبلوماسية الإنسانية التي تتبناها الدولة، وأمثلتها كثيرة من خلال الزيارات الخارجية التي يقوم بها رئيس الدولة، وحضور وزير خارجيتها في كل الأنشطة والمنتديات الدولية، وتبني دبلوماسية إدارة الأزمات وحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية.
ويبقى من عناصر الدولة الشراكات الاستراتيجية الدولية مع كل دول العالم والتي تعمق دور الدولة وحريتها وعدم تبعيتها في دائرة واحدة، وهذه الشراكات هي التي تفسر لنا اليوم وفي مواجهة العدوان الإيراني المتواصل على دولة الإمارات ودول الخليج الأخرى مدى التأييد الدولي للإمارات وإدانة العدوان الذي تتعرض له.
ويبقى أن هذه القوة يقف وراءها حكم رشيد وقيادة رشيدة بما يحمي سيادة الإمارات وأمنها واستقرارها ومصالحها الحيوية بحيث باتت تقدم نموذجاً تنموياً إنسانياً يفوق النماذج الأخرى في العالم، ولتصبح دولة إلهام وأمل للآخرين.

[email protected]