مقاربات ونظريات كثيرة تفسر لنا الحرب التي تشهدها المنطقة بأبعادها الإقليمية والدولية، ومنها نظرية الهيمنة البحرية ونظرية القلب. والسؤال الرئيسي لهذه الحرب: لماذا استهداف دول الخليج العربي رغم مواقفها المعارضة للحرب ودعوتها الدائمة للحوار والتمسك بسياسات حسن الجوار؟ الإجابة قد تكمن في التفسير الجيوسياسي، وابتداءً وبإيجاز نظرية الهيمنة، وهي مصطلح معقّد وأصله الكلمة يونانية التي تعني الحكم أو الأمر. وأول من تناوله المؤرخ اليوناني ثيوسيديدس في وصف الهيمنة الأثينية في الحرب البيلونيزية مع أسبرطة، ويفسرها المفكر الأمريكي جون ميرشماير في بلوغ دولة من القوة تمكنها من السيطرة على الدول الأخرى. هذه النظرية تفسر لنا اليوم دوافع الولايات المتحدة في هذه الحرب ومحاولتها السيطرة على المنطقة، فمن يسيطر على اليابسة يسيطر على العالم. والنظرية الثانية التي تفسر لنا أسباب الحرب وسعي أطرافها للسيطرة على المنطقة وهو ما يعرف بنظرية قلب الأرض، وهي نظرية جيوسياسية للجغرافي البريطاني هالفورد ماكندر، وملخصها أن من يسيطر على منطقة آسيا الوسطى يسيطر على العالم، ومن يسيطر على أوروبا يسيطر على قلب الأرض، ومن يسيطر على قلب الأرض يسيطر على جزيرة العالم ومن يسيطر على جزيرة العالم يسيطر على العالم بأسره.
ووظفت هذه النظرية في تفسير الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتفسير الحرب البارده بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وهي أساس سياسات الاحتواء.
كما تفسر لنا هذه النظرية الحرب التي تشهدها منطقة الخليج العربي وهي من أهم المناطق الجيوسياسية والاقتصادية في العالم. وبناء على هذه النظرية يمكن القول أن من يسيطر عليها يسيطر على المنطقة بأكملها وعلى الشرق الأوسط ويعيد رسم خريطته ومناطق النفوذ فيها كما يريد. هذا التفسير ليس بعيداً عن واقع المنطقة والحرب وأهداف أطرافها الثلاث إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. لقد كانت المنطقة تاريخياً وما زالت منطقة استهداف بين القوى الإقليمية والدولية، وارتبطت قوة الدول المهيمنة والمسيطرة على العالم بالسيطرة على المنطقة بإعتبارها منطقة قلب، فقد سيطرت عليها بريطانيا حتى الحرب العالمية الثانية، وبعدها تحولت المنطقة لمنطقة صراع وتنافس بين القوى المهيمنة عالمياً، فالولايات المتحدة تعتبرها أحد ثوابت أهدافها ومصالحها الحيوية وربطت سيطرتها بنظرية الهيمنة الأمريكية على اليابسة، فيما تطلع الاتحاد السوفييتي للوصول للمياه الدافئة في المنطقة من خلال إقامة علاقات مميزة مع مصر والعراق واليمن وغيرها.
وإقليمياً رأينا سعي إيران في زمن الشاه للسيطرة على المنطقة ومحاولته السيطرة على البحرين واحتلاله للجزر الثلاث التابعة لدولة الإمارات، وإصرار إيران على تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي. هذه الصراعات تزامنت مع تحول دول الخليج العربي إلى دول مستقلة، وبفضل حكمة قياداتها حافظت على استقلالها وأقامت مجتمعات مزدهرة والتزام بسياسات تقوم على الأمن والسلام وحسن الجوار وعدم الانجرار إلى الصراعات الإقليمية، ونجحت في بناء دول قوية اقتصادياً، وتبنّت سياسات واستراتيجيات تقوم على الشراكات الاستراتيجية مع الدول الكبرى عالمياً مثل الصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي والهند وتقوية تحالفاتها مع الدول العربية والإسلامية.
هذه القوة والقدرات الجيوسياسية والاقتصادية تفسر لنا الأهداف غير المعلنة والحقيقية لأطراف الحرب الثلاث. فهذه الحرب هدفها الرئيسي السيطرة على المنطقة والتحكم في مواردها. فمن جهة تحاول الولايات المتحدة تثبيت وجودها لإبقاء تفردها على رأس النظام الدولي، وإيران من ناحيتها منذ زمن الشاه وحتى الآن تعتبر المنطقة في نطاق نفوذها من خلال إصرارها على احتلال جزر الإمارات الثلاث، والمضي في عدوانها الغاشم على الإمارات ودول الخليج الأخرى في انتهاك صريح لكل القوانين الدولية ولمبادئ حسن الجوار.
مازلنا نذكر خطاب وزير خارجية الإمارات سمو الشيخ عبد بن زايد آل نهيان أمام الجمعية للأمم المتحده عام 2018 الذي حذر فيه من سياسات وأهداف إيران وتبنّيها ودعمها لجماعات مثل حزب الله وجماعة الحوثي وتدخلها في لبنان وسوريا.
أما إسرائيل فأهدافها معروفة في تحقيق حلم إسرائيل الكبرى وتحول إسرائيل للقوة الإقليمية الوحيدة.
ويبقى أن هذه الأهداف هي مجرد أحلام في مخيلة أصحابها، لأن الإمارات ومعها دول الخليج الأخرى لديها من القوة والقدرة والحكمة ما يكفي لإحباط كل ما يمكن أن تتعرض له من مخاطر.
أحلام الهيمنة لن تتحقق
3 أبريل 2026 01:22 صباحًا
|
آخر تحديث:
3 أبريل 01:22 2026
شارك