لا أحد يشعر بالفخر لضم كريستوفر كولمبوس إليه، فالرجل، باعترافه، ارتكب أكبر مذابح في التاريخ وسجّل سابقة خطيرة للاستعمارات الاستيطانية الي تلغي شعباً كاملاً من الوجود وتحلّ مكانه شعباً آخر من عشّاق المغامرة، ومن سوء حظه أن الأراضي التي اكتشفها لم تحمل اسمه وإنما حملت اسم مغامر آخر هو الملاح المغمور أمريكيو فيسبوتشي الذي جاء بعد انتهاء رحلات كولمبوس الثلاث، وأعلن أن الأرض التي اكتشفها كولمبوس ليست الساحل الغربي من آسيا، وإنما أرض جديدة تماما، فحملت أمريكا اسمه. وكما مات فيسبوتشي حزيناً معدماً، مات كولمبوس كذلك، رغم أن معظم الدول الأوروبية تتنازع حاليا وتدّعي ملكيته، ومن ذلك فرنسا وإيطاليا والبرتغال واليونان وبولندا، وحتى كاتالونيا وسكوتلندا.
ومعظم الذين أرّخوا لحياة كولمبوس ورحلاته قالوا إنه ابن حيّاك فقير من مدينة جنوى الإيطالية، ولم تفلح فحوصات الجينات الوراثية التي أجراها العلماء خلال السنوات الماضية في معرفة حقيقة جنسيته، إلى أن جاءت أستاذة في علم اللغات في جامعة جورجتاون في واشنطن هي البروفيسورة استيل ايريزاري وعكفت سنوات طويلة على دراسة المذكرات والرسائل التي تركها كولمبوس، واكتشفت من طريقة صياغته للجمل والعبارات أنّه كاتالوني من مملكة أراجون التي تقع في الشمال الشرقي في إسبانيا، عند أقدام جبال البايرين، ونشرت نتائج بحثها في كتاب صدر مؤخرا بعنوان الجينات الوراثية لمذكرات كولمبوس.
وقد يبدو العنوان مستغربا، ولكن البروفيسورة استيل تقول إنها اكتشفت أن كولمبوس لم يكتب مذكراته بلغته الأمّ، إذ إن القواعد والعبارات وطريقة تركيب الجمل في المذكرات توحي أنه من منطقة الأراجون. وقالت في كتابها إنه لم يعبّر عن أفكاره بشكل صحيح، وواضح أن لغته الإسبانية غير ناضجة، رغم أنها سلسة وشاعرية.
وكان فريق من العلماء قد انتزع عيّنات من ضريح كولمبوس في مدينة اشبيلية، ومن عظام شقيقه وابنه، وقارن تركيبتها الجينية بجينات مئات الأوروبيين الذين يعتقد أنهم تحدّروا منه أو من نسله، بل قارنها بجينات أفراد العائلة المالكة التي حكمت البرتغال في أواخر القرن الخامس عشر للتأكد من رواية تقول إن كولمبوس ثمرة علاقة غير مشروعة بين والدته وأحد أمراء البرتغال.
وكولمبوس كان يقول إنه جاء من العدم، وعندما يُسأل عن أصله يهزّ كتفيه غير مبالٍ ويقول جئت من اللامكان. ويقال إن كولمبوس ليس هو اسم عائلته الحقيقي، وإنه عمل في إحدى فترات حياته تحت إمرة قرصان اسمه فينسينزو كولمبوس، وأعجب به، وحمل اسمه لكي لا يحرج أقاربه وعائلته بأن يقال لهم إن ابنكم قرصان.