بات معروفاً أن معدل نمو السكان في دول مجلس التعاون يتراوح بين 4 و5 في المائة سنويا . وحسب تقديرات الأونكتاد فمن المتوقع أن يصل عدد السكان في دول التعاون الى 44 مليون نسمة في العام 2020م . ولا زالت الفئة العمرية الأقل من 15 سنة تشكل ثلث اجمالي السكان، كما لازالت هذه الدول تعتمد كثيرا على القوى العاملة الوافدة ولكن بنسب متفاوتة، تبلغ أعلى مستوياتها في دولة الكويت ودولة الامارات العربية المتحدة . وازاء هذا الوضع بدأت تظهر مشكلة الباحثين عن عمل خصوصاً من فئة الشباب خلال السنوات الماضية . و تقديرات أعوام سابقة وضعت عدد الباحثين عن عمل بنحو 400 ألف سنويا بما يعادل 6% من اجمالي الوافدين بنسبة 5 .8% من اجمالي القوى العاملة المواطنة . ويزيد عدد الباحثين عن عمل في دول التعاون بحسب دراسات وضعت قبل سنوات على 220 ألف شخص مقارنة بنحو 400 ألف التي قدرتها جهات أخرى، علما بأن هنالك تبايناً واضحاً في بيانات القوى العاملة الخليجية من مصادر مختلفة . ولكن أحدث البيانات تشير الى أن قوام سوق العمل الخليجية 15 مليون شخص من بينهم 10 ملايين وافد، بمعني أن اجمالي نسبة التوطين لم تتعد الثلث حتى الآن . وفي اطار هذا الموضوع وقبل أيام أنهى خبراء من دول مجلس التعاون الخليجي في الدوحة اجتماعاتهم بقلق شديد حول تفشي ظاهرة الباحثين عن عمل من المواطنين الخليجيين، على الرغم من محدوديتها مقارنة بكثير من الدول خصوصاً العربية الأخرى . وأبدوا تخوفهم من ارتفاع نسبتهم في السنوات المقبلة، حيث إن المؤشرات تدل على ارتفاع متوسط نسبة الباحثين عن عمل في دول مجلس التعاون الى 15% ونسبة الباحثين عن عمل بين الفئة الشبابية في الفئة العمرية 16 و24 الى نحو 35% . ويشير الخبراء الى أن هذه النسبة هي الأعلى بين دول العالم وينبغي وضع الحلول لمعالجتها . ولمقابلة هذا الطلب على الوظائف الخليجية من الباحثين عن عمل من المواطنين قدر اجتماع الخبراء أن دول التعاون سوف تحتاج الى خلق نحو 300 ألف وظيفة سنوية .
و في اطار هذا الموضوع وقبل سنوات وفي دراسة أجريتها حول سوق العمل الخليجية جاء في نتائجها أن دول التعاون تحتاج الى خلق 272 ألف وظيفة جديدة سنويا بناء على نسبة نمو القوى العاملة الخليجية السنوية التي قدرتها وقتها بنحو 8 .5% وتقديرات تشغيل القوى العاملة الوطنية بنحو 7 .4 مليون شخص . وهذا الرقم الذي توصلنا اليه لا يختلف كثيرا عن الرقم الذي توصل الية اجتماع الخبراء . ومن جهة أخرى فإن تقديرات مرونة التشغيل للانتاج (النسبة المئوية للتشغيل مقسومة على النسبة المئوية للانتاج الكلي للناتج المحلي الاجمالي الخليجي) في دول التعاون تتراوح بين 77 .0 الى 1 .1 (بما يعادل نحو 1% في المتوسط) تعني أن نسبة الزيادة في توفير فرص التشغيل للقوى العاملة الخليجية ينبغي أن تتعادل ونسبة الزيادة في الانتاج الكلي لكي تحافظ دول التعاون على هذه النسبة التي تعتبر بالمقاييس العالمية نسبة مرونة معتدلة وينبغي زيادتها لضمان فرص تشغيل أكثر من جراء زيادة الانتاج الكلي من السلع والخدمات .
وتعني هذه النسبة الحالية التي تبلغ في المتوسط 1% أنه اذا كان معدل النمو السنوي 4%، فيجب أن يكون معدل التشغيل السنوي 4 % أيضا لكي تحافظ دول مجلس التعاون على نسبة تشغيل للناتج المحلي الاجمالي (مرونة التشغيل للانتاج) تبلغ 1% في المتوسط . علما أن نسبة التشغيل هذه لا تشمل تغطية العدد الحالي للباحثين عن عمل بل تغطي الباحثين عن عمل مستقبلا حسب الافتراضات التي وضعت لنمو أعداد الباحثين عن عمل من المواطنين الخليجيين، مما يعني أننا نحتاج ربما الى نسبة أعلى .
ومهما يكن من أمر بخصوص البيانات ومعدلات النمو التي يمكن أن تتحقق لتغطية العدد المطلوب من الوظائف خليجيا لحل أي مشكلة يمكن أن تطرأ في مجال الباحثين عن عمل من المواطنين الخليجيين، فإنه وبلا شك ينبغي أخذ جلّ هذا الأمر على محمل الجدّ، خصوصاً في ظل اعتماد الاقتصادات الخليجية على موارد النفط التي تعتمد أسعارها على السوق العالمية ومن ثم فإن معدلات النمو السنوية للانتاج وبالتالي نسب التشغيل للمواطنين الخليجيين تتأثر كثيرا بهذه الأسعار سالبا وايجابا . وكذلك في ظل ضعف المرونة في أسواق العمل وتجزئتها، وفي ظل غياب التشغيل الخليجي- خليجي للباحثين عن عمل من المواطنين نتيجة لضعف التحركات الجغرافية للقوى العاملة الخليجية خليجيا، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه التحركات لا تنقصها التشريعات بل ينقصها التفعيل على أرض الواقع لضمان سوق كبيرة وموحدة قادرة على استيعاب القوى العاملة الوطنية في كل المستويات والمجالات الانتاجية والخدمية بدلا من القوى العاملة الوافدة في مستقبل الأيام .
* عميد الكلية الحديثة للتجارة والعلوم
في مسقط