اليوم هو 19 مارس/آذار ،2009 ونحن في حديقة عامة اتخذها الناس مأوى يبتغون العيش فيها هرباً من فقرهم، وشدة حرمانهم، وقسوة ما يتقلبون على لظاه من بؤس وشقاء . مبهرة هي صورة الولايات المتحدة من الخارج، حيث يفتتن بها من هم خارجها، ولو كنت هنا في مدينة ريتشموند عاصمة ولاية فرجينيا، سيفتنك منظر الولاية، والعمران المحيط بهذه الحديقة حيث تطل عليها مكاتب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الفخمة، إلا أن ما يعيب هذه المكاتب انها تطل على حديقتنا المشار إليها آنفا إذ لاذ الفقراء بكنفها، حيث لا دار لهم سواها .
كانت هذه مقدمة لمقالة للكاتب الأمريكي ديفيد سوانسون وهي بعنوان هكذا تحول الأمريكيون إلى شعب من البؤساء في تحليل إخباري عن اوضاع الشعب الأمريكي بعد أشهر من بدء الأزمة الحالية .(1) ويشير كاتب أمريكي آخر إلى أن موضوعات الفقر والاحتياجات الاقتصادية بدأت تظهر بانتظام في وسائل الاعلام والبرامج الاخبارية، حيث عرضت ثلاثة برامج تلفزيونية أمريكية عشرين قصة اخبارية تتعلق بالفقر والقضايا المتعلقة بفقدان المنازل والتشرد، والكوبونات الغذائية لدعم الفقراء في الشهور القليلة التي اعقبت بدء الأزمة في سبتمبر/أيلول 2008 (2) ونحن حتى الآن لم ندخل في عمق الأزمة ونرى تأثيرها على رجل الشارع الأمريكي، سواء خلال سنوات الكساد في الثلاثينات، أو الفترة الحالية التي يعاني فيها الأمريكي وغيره من ثقل الأزمة الاقتصادية الحالية وتبعاتها، سنقرأ معاً ما عاناه الأمريكيون خلال الثلاثينات من مشقة وشظف عيش، ونقارنه بما يحدث الآن .
سنوات الكساد في الثلاثينات
أحد الاقتصاديين شبّه الوضع الاقتصادي أو المالي للدول والاشخاص، بالمسباح، فما دام خيط المسباح قوياً، فإنه يربط حبات المسباح بطريقة متراصة، وينظر الجميع لهذا المسباح نظرة إعجاب لتناسقه ولمعان حباته، وترابط تلك الحبات، ولكن عندما ينقطع الخيط، لا تسقط حبة واحدة، وانما تكرّ السبحة كل حباتها، وهكذا هو الاقتصاد، فهو في النهاية عبارة عن مجموعة من العلاقات التجارية والمالية المتشابكة والمعقدة بين الدول أو رجال الاعمال، وبين المؤسسات المالية، وهي أيضاً تعاقدات مع شركات عالمية وديون وقروض والتزامات موثقة بعقود، وتكبر تلك الصورة كلما كبرت الدولة المزدهرة أو رجل الاعمال الناجح، ولكن حين يسقط أي منهما لأي سبب كان، تبدأ السبحة تكرّ حباتها، وإذا كانت هذه الصورة المبسطة تحدث للبعض في الظروف العادية، فإن هذه الصورة تصبح ساطعة وقوية وتشمل عدداً كبيراً وربما الكل اثناء الأزمات الاقتصادية الطاحنة كأزمة 1929 أو الأزمة الحالية، حيث يكتوي بنارها الجميع، فأزمة عام 1929 لم تسلم منها أي دولة من الدول الصناعية أو الزراعية في جميع انحاء العالم، وعلى الرغم من وقوع معظم الدول العربية في تلك الفترة تحت قبضة الاستعمار البريطاني أو الفرنسي، ولم يكن يوجد بها اقتصاد يمكن أن يتأثر بالأزمة، إلا أنني فوجئت بالدراسات التي تتحدث عن تأثر مصر بتلك الأزمة كونها من أهم الدول المنتجة للقطن في تلك الفترة، وهذا أيضا ينطبق على الأزمة الحالية، حيث الوضع حالياً يختلف بالطبع عن الوضع سنة 1929 من حيث حجم الاقتصاد العالمي، وحجم التدفقات المالية، والتطورات الاقتصادية في جميع أنحاء العالم، والتكنولوجيا الحديثة التي جعلت من العالم حالياً قرية صغيرة، فآثار الأزمة بادية على الجميع، وتكبر العقدة كلما كبر اقتصاد الدولة، وهذا ايضا ينطبق على رجال الاعمال، فكلما كان حجم اعمالهم كبيراً ومتشعباً كلما كان تأثرهم أكبر، وتظهر لكلا الطرفين مشكلات لا حصر لها، فالدول المتأثرة تكثر ديونها، وتزداد بها معدلات البطالة، ويقل انتاجها، وتتوقف مشاريعها، واشياء كثيرة أخرى لا يمكن حصرها، أما على مستوى رجال الاعمال، فهؤلاء أيضاً يجدون انفسهم في مشكلات لا حصر لها كلما كان حجمهم كبيراً، ولو حاولنا تطبيق ما سبق ذكره على الولايات المتحدة خلال سنوات الكساد في الثلاثينات، وحالياً، فسنأخذ بعض المجالات لنعقد بينها مقارنة ونرى مدى تأثرها، وقد تأثر الشعب الأمريكي وبقية شعوب العالم خلال هذه الأزمة وأزمة 1929 بأهم ما يمس حياة الناس وهما العمل والرفاهية، حيث حلّت بدلاً منهما البطالة والفقر، وسنرى ماذا حدث .
البطالة في أزمتي 1929 و2008
هل فكرت يوماً ماذا سيكون رد فعلك لو أتيت إلى عملك، ووجدت ورقة على مكتبك تقول . . تم الاستغناء عن خدماتك، ربما يغمى عليك، أو يرتفع ضغطك، أو تهضم هذه الصدمة، ولكن بصعوبة بالغة، وسيدور في خلدك في ذلك الوقت عشرات الاسئلة والتحليلات والتوقعات المستقبلية وغيرها، ستتساءل عن اسباب اقالتك، وماذا ستعمل، وكيف ستدبر امورك لحين ايجاد عمل آخر، ولكن الأسوأ من كل هذا لو بدأت فعلياً البحث عن عمل، ووجدت الأبواب موصدة في وجهك، والأيام تمر عليك، واعباءك تتزايد، والدائنين لا تتوقف اتصالاتهم، هذا هو حال من يفقد عمله، فما هو حال من تخرج في كلية أو جامعة وجلس في البيت ينتظر من يتصل به ويقول له تعال غداً لتبدأ عملك؟ إذاً فالبطالة من أصعب ما يمر على الانسان في حياته، فهي تعني الحاجة والفقر والحرمان واليأس، لذا يهاجر الناس من أوطانهم تاركين أحبابهم وأصدقاءهم وبيئتهم التي ولدوا وتربوا بها للبحث عن مصدر رزق يخرجهم من حياة الذل والعوز، وكانت الولايات المتحدة واحدة من أهم الدول التي تستقطب الهجرات الباحثة عن الرخاء والرفاهية والحرية، ولكن الأزمات الاقتصادية المتتالية كانت تحطم تلك الاحلام الجميلة، وكان أزمة 1929 هي الأصعب والأسوأ، كما أن الأزمة الحالية لا تقل سوءاً، ولا أحد يعرف أو يستطيع أن يتوقع متى تنتهي، فالأمور حتى الآن تسير نحو الأسوأ في كل انحاء العالم رغم التطمينات، والبطالة لا تمس الناس فقط، وإنما تعطي صورة سيئة للبلد الذي تزداد فيه معدلات البطالة، فهذا يعني ببساطة أن الاقتصاد منهار أو على الاقل ضعيف ولو قارنا بين ازدياد معدلات البطالة خلال أزمتي عام 1929 و،2008 سنلاحظ إلى أي مدى تؤثر الأزمات الاقتصادية في حياة الناس، وسنبدأ بالأزمة الحالية، فقد وصل معدل البطالة في الولايات المتحدة في شهر يونيو/حزيران 2009 إلى أعلى مستوياته منذ تسع سنوات وهو ما أكد مخاوف ابتعاد الاقتصاد الأمريكي المتعثر عن التعافي، ووصل المعدل الرسمي إلى 6،4%، وقال ستيوارت هوفمان المدير الاقتصادي بمجموعة بي ان سي للخدمات المالية تبدو الصورة الخارجية قبيحة، أما الداخل فهو أقبح، واضاف لدينا الآن انخفاض في وظائف القطاع الخاص لخمسة شهور على التوالي، ويقول خبراء الاقتصاد ان تزايد اعداد العاطلين في أمريكا اصبح سريعاً، ويمثل تهديداً يواجه تعافي الاقتصاد الأمريكي، وذكرت وزارة العمل الأمريكية أن 30 ألف وظيفة فقدت خلال شهر يونيو/حزيران 2009 وأن معظم تلك الوظائف كانت في قطاع التصنيع، كما فقدت 2،6 مليون وظيفة في القطاع نفسه على مدى العامين الماضيين، وفي شهر يوليو/تموز 2009 مكث نحو مليوني شخص دون عمل لمدة 27 شهراً أو أكثر (3) . وفي يوم الثلاثاء 14 يوليو/تمور 2009 صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن معدل البطالة في بلاده سيواصل ارتفاعه لأشهر عدة بسبب أسوأ كساد اقتصادي يحدث منذ عقود عدة (4) وذكر موقع بي بي سي ان معدلات البطالة ارتفعت بشكل أكبر خلال شهر اكتوبر/تشرين الأول 2009 لتصل إلى 10،2% في الولايات المتحدة وهو أعلى مستوى للبطالة منذ عام ،1983 وتشير الاحصاءات إلى أن عدد العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة ارتفع خلال الأزمة الاقتصادية الحالية بواقع 8،2 مليون عاطل . (5) ولكن ماذا عن حال الأمريكيين خلال سنوات الكساد التي اعقبت أزمة عام 1929؟ انتشرت البطالة بصورة هائلة في كل أنحاء الولايات المتحدة، وهبط الناتج القومي الاجمالي بمعدل 20%، وتراجع انتاج السيارات من 4،5 مليون سيارة في عام 1929 إلى 1،9 مليون سيارة عام ،1931 مما أدى إلى تسريح اعداد هائلة من العمال ليس فقط في شركات السيارات، ولكن في شركات المطاط والزجاج والفولاذ ووكالات السيارات وشركات التأمين أيضاً، وارتفعت البطالة في أواخر عام 1931 إلى 15،9%، وبدأت شوارع البلاد تكتظ برجال مهلهلي الثياب يبحثون عن عمل . (6) واخذت الأزمة تنمو بشكل سريع في سنوات الثلاثينات إلى درجة مخيفة، ففي عام ،1932 أصبح معدل البطالة يعادل ربع قوة العمل، وكان هناك 11،5 مليون أمريكي عاطل عن العمل، ولتصور الموضوع بشكل أدق، فيمكننا تخيل حجم هذا العدد من كون جميع سكان مدينة نيويورك، وهي الولاية الأكثف سكاناً، كانوا عاطلين عن العمل، ويشمل ذلك المنطقة الممتدة من الطرف الشرقي لونج أيلند إلى سواحل بحيرة أيري، ومن الحدود الكندية إلى ولاية بنسلفانيا، كل هذه المنطقة الهائلة من الولايات المتحدة كان الاغلبية العظمى من ابنائها بدون عمل، ولو رجعنا إلى رقم ال 11،5 مليون أمريكي عاطل، فهذا يشمل العمال الذين لا يملكون عملاً، ولا يشمل عائلاتهم، لذلك، فإن ال 11،5 مليون عاطل كانوا واقعياً يمثلون حوالي 30 مليون أمريكي ممن فقدوا مورد رزقهم،أي أن حوالي ربع مجموع السكان وجدوا أنفسهم غير قادرين على إيجاد المأوى والطعام، وفي الحقيقة، فإنه حتى هذه الأرقام المخيفة لا تحكي لنا تماماً كل ما يجب ان نعرفه حول ما حصل في سنوات الكساد، ففي ظل البطالة، هناك ايضا الأمريكيون المحظوظون الذين حافظوا على وظائفهم، وتقبلوا تقليل عدد ساعات عملهم وتقليل اجورهم، حيث أراد اصحاب العمل الاحتفاظ بالعمال المهرة كلما أمكن، ولذلك، فبدلاً من صرفهم عن العمل، طلبوا منهم المشاركة في الأعباء، وقد بدا ذلك منصفا للعديد من الموظفين، وفي صيف عام ،1932 كان اكثر من نصف العمال الأمريكيين يعملون بالطريقة المجزأة، حيث كانوا يعملون بمعدل 59% من العمل الكامل، وكانت رواتبهم ايضا بهذه النسبة . (7).
انتشار الفقر والتشرد
الدافع الرئيسي للهجرة من البلدان الفقيرة إلى البلدان الغنية هو الفقر، ونرى بشكل مستمر في نشرات الأخبار، فقراء من الدول العربية وغيرها وهم يحاولون بشتى الوسائل الوصول لأي دول غربية اعتقاداً منهم انهم سيتحولون بين ليلة وضحاها إلى أغنياء، بل ان بعضهم يعرضون انفسهم للموت من خلال عمليات التسلل البحرية، وكل هذا هرباً من شيء واحد يكرهه كل انسان، ألا وهو الفقر، ولكن الفقر بدأ ينتشر الآن في الدول الغنية بشكل كبير نتيجة الأزمة الاقتصادية الحالية مثلما انتشر من قبل اثناء أزمة عام ،1929 والظاهرة الأسوأ أن أعداداً كبيرة من ابناء الطبقة الوسطى تدحرجوا إلى الطبقة الادنى واصبحوا من فئة الفقراء، وعلى سبيل المثال، عرضت قناة ABC في نشرتها بتاريخ 27/11/2008 بنك طعام في ولاية ميرلاند الأمريكية، وكان المسؤول عن هذا البنك يقول أن إحدى السيدات كانت في السابق تقدم تبرعات للبنك، وانقلبت احوالها، واصبحت من ضحايا الأزمة الاقتصادية، وهي حالياً تتلقى الطعام من البنك، وتشعر بإحراج وخجل، ثم أخذ مراسل القناة يصف مرتادي بنك الطعام، فهذا فني تركيب مطابخ لم يعد لديه زبائن، وهذه كانت مربية كلاب محترفة، ولكنها تعمل الآن كعاملة في احدى المحلات، والاثنتان هوتا بشدة من الطبقة الوسطى، وفقدتا منزليهما، وعلى الأقل ستسمح لهما كوبونات الغذاء بشراء بعض احتياجاتهما من البقالات، أما صحيفة نيوارك ستار فقد أوردت في 10 أغسطس/ آب 2008 تصريحاً لأحد المسؤولين في مقاطعة نيوجرسي ذكر فيه أن طلبات الإعانة ازدادت، ولم تعد تقتصر على السكان ذوي الدخل المحدود، فسائقو الشاحنات الذين لا يجدون عملاً يأتون إلينا، وثمة مواطنون أصحاب مكانة رفيعة لم يسبق لهم طلب مساعدة من قبل، ولكنهم حالياً لا يستطيعون تدبر أمرهم، ولذلك أصبحوا يترددون علينا لإعانتهم، وبعض التقارير الصحافية تؤكد أن الفقر أصبح حالياً قضية لأن ضحاياه الجدد لم يكونوا في الأصل فقراء، وظهرت إحصائيات في شهر ديسمبر/ كانون الأول ،2008 تقول إن واحداً من كل عشرة أمريكيين أصبح حالياً يتلقى قسائم الإعانات الغذائية . (8) ولكن ماذا عن حال الأمريكيين في الثلاثينات؟
يتذكر أحد المسؤولين الأمريكيين الوضع في ديترويت عام ،1932 ويقول: عدة خدمات أعامة ساسية تقلصت إلى نقطة هي أقل من الحد الأدنى لصحة وسلامة المدينة، أما رواتب الموظفين فقد تقلصت مرتين، ومنح مئات الموظفين الأكفاء إجازات طويلة، واضطرت المدينة إلى الاقتراض من مؤسسات الخدمات الاجتماعية ليبقى عاطلوها في مستوى الحد الأدنى للبقاء، وخطة الأجور التي أعانت 11 ألف عائلة انهارت لأن المدينة لم تكن قادرة على ايجاد التمويل المطلوب للدفع لهؤلاء العاطلين أما بالنسبة لعام 1933 فكنا نتوقع حدوث مجاعة عامة، وفي مدينة أخرى وهي نيويورك وجدت دائرة الصحة هناك أن واحداً من كل خمسة طلاب يعاني من سوء التغذية، وقام مدرسو المدارس الحكومية بالتبرع من جيوبهم الخاصة لصندوق الاغاثة المخصص لمساعدة الطلاب على الرغم من أنهم كانوا مهددين بقطع رواتبهم، ويتذكر أحد الأمريكيين أيام الثلاثينات قائلا: كنت صبياً في ذلك الوقت، وكان العديد من الآباء، ووالدي أحدهم، يحاولون مباغتتنا بجلب شيء ما بعد الرجوع من الخارج، حيث كانوا يذهبون إلى كل مكان يفتشون عن عمل تاركين عوائلهم في المنازل، وكنا ننتظر إلى آخر الاسبوع، وبالتحديد ليلة السبت متأملين قدوم والدي وهو يحمل المؤونة لنا، وكنا نطير من السعادة عندما نعرف أنه عمل خلال الاسبوع وأتى بشيء ما، ولكن خيبة الأمل تكون كبيرة عندما يقدم إلينا وهو خالي اليدين، وفي بعض الأحيان، كان الرجال الذين يغادرون منازلهم للبحث عن عمل لا يعودون أبداً، حيث يجدون مأوى في الأزقة أو المترو أو الخرائب الموجودة على حافات المدن والتي أطلق عليها فيما بعد اسم هوفر فيلدز وحتى الأطفال الذين كانوا بعمر البلوغ يذهبون للبحث عن الطعام بدلاً من الاعتماد على ذويهم المثقلين، وازدادت أعداد الشباب والمراهقين الذين يتسابقون للجري خلف سيارات الطعام والسفر المجاني، وكان مفتشو القطارات يغمضون أعينهم عن هؤلاء، وكان هناك حوالي مليوني أمريكي يسكنون الشوارع خلال سنوات الكساد، وكانت هناك عنصرية لدى الكثير من أرباب العمل عند وجود شواغر عمل لديهم، حيث الغالبية منهم تختار البيض تاركين الشباب وكبيري السن والنساء من أصول إفريقية يصطفون في طوابير البطالة، بل إن العنصرية امتدت أيضاً للعمال والموظفين ممن يعملون، حيث كان الأمريكيون من أصول إفريقية يفقدون وظائفهم بطريقة أسهل من البيض، ولاحظ العمال السود أنهم آخر من يتعين وأول من يفصل، وأن أصحاب العمل يتعمدون فصل العمال السود وإبدالهم بالبيض، وكان واضحاً أن المقصود من ذلك تقليل نسبة البطالة بين البيض، كما استنتجت إحدى الدراسات التي أجريت عام ،1931 وخلال سنوات الكساد، تغيرت ديموجرافية السكان، فبعدما كانت الهجرة تتم من الريف باتجاه المدينة، حدث العكس، حيث بدأ كثير من الأمريكيين الاتجاه نحو الأرياف والعمل بالمهن الزراعية، وارتفع سكان الأرياف عام 1932 إلى أعلى مستوى له خلال الفترة بين الحربين العالميتين، ولكن عدوى الكساد لحقت الأمريكيين إلى الأرياف، فقد تأثرت الأرياف بالأزمة فيما بعد، وأصبحت المساندة الحكومية للمزارعين ضعيفة، وانحدرت واردات المزارع إلى أدنى درجاتها، وقام الدائنون بإجبار المزارعين على بيع ممتلكاتهم لتغطية أقساط ديونهم، وهذا بدوره أدى إلى وجود تكاتف بين كثير من المزارعين في مختلف الولايات، حيث يتجمع بعضهم ويتشاركون لشراء احدى المزارع المباعة بالمزاد ثم يعيدونها لصاحبها، والأسوأ من ذلك عندما يكون المزارعين أجراء عند ملاك الأراضي، حيث كان بعض الملاك يأخذون كل الانتاج في مقابل أن يأكل ويشرب هؤلاء المزارعون فقط، وهذه الكوارث زادت من معدلات الهجرة بين الولايات، وذهب كثير من المهاجرين إلى كاليفورنيا التي كانت تسمى الولاية الذهبية، ففي عام 1931 . دخلت كاليفورنيا 800 سيارة، أما المسافرون الأقل حظاً فقد وصلوا بالقطارات، وفي شهر واحد من عام ،1932 قدرت شركة سكك حديد الباسفيك أنها نقلت إلى كاليفورنيا 80 ألف مسافر، حيث انتشر المهاجرون في الوديان الطويلة في كاليفورنيا وسكنوا الخيام والبيوت البسيطة، وكان طعامهم الفاصولياء والأرز .
هوامش
(1) ديفيد سوانسون، هكذا تحول الأمريكيون إلى شعب من البؤساء ترجمة كمال البيطار، جريدة الخليج العدد 10926 بتاريخ 18/4/،2009 ص21
(2) نيل ديماوس، انهيار الطبقة المتوسطة، ترجمة محمد ابراهيم فقيري، جريدة الخليج القسم الاقتصادي العدد 10912 بتاريخ 4/4/،2009 ص 13
(3) انظر موقع BBC العربية وعنوانه على النت:
http://news .bbc .co .uk/hi/arabic/business
(4) http://arabic . people .com .cn
(5) http://www .muslm .net
(6) جون ستيل جوردون، امبراطورية الثروة، ص 155
(7) Eric Reuchway, The Great Depressuin The New Deal, pp .21 - 60
(8) نيل ديماوس، مقال بعنوان انهيار الطبقة المتوسطة، ترجمة محمد ابراهيم فقيري، جريدة الخليج، العدد 10912 بتاريخ 4/4/،2009 ص 13
Eric Reuchway, The Great Depressuin The New Deal, pp .21 - 50