تمتد الإرهاصات الأولى لمراكز الفكر إلى القرن الثامن عشر، حيث برزت في أوروبا على شكل كراسٍ علميةٍ مختصةٍ في الدراسات الشرقية وغيرها، فيما يرجعها آخرون إلى الحلقيات العلمية والوقفيات التي شهدها عدد من البلدان الإسلامية (المسجد النبوي، والجامع الأزهر بمصر، وبيت الحكمة بالعراق، وجامع القرويين بالمغرب وجامع القيروان بتونس..) قبل ذلك بزمن بعيد.
وقد برزت هذه المراكز بشكل متطور ومستقل عن المؤسسات الجامعية في بريطانيا خلال سنوات القرن التاسع عشر، وبخاصة مع إحداث المعهد الملكي للدراسات الدفاعية في عام 1831، قبل أن تتمدد هذه المراكز وتتزايد أدوارها وتأثيراتها في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين، ونشير في هذا السياق إلى معهد كارنيغي للسلام الدولي (عام 1910)، ومعهد بروكينغز (عام 1916) ومعهد هوفر (عام 1918).
وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من صراعات أيديولوجية بسبب ظروف الحرب الباردة، برزت الحاجة إلى هذه المراكز كإطار لتحليل الأحداث والتنبؤ بمآلاتها، ولمساعدة الدول على التخطيط في مختلف المجالات الاقتصادية والإدارية والعسكرية.
ومع انهيار المعسكر الشرقي ونهاية الصراع بين الشرق والغرب، وتنامي البعد الاقتصادي للعلاقات الدولية وتوسع دائرة العولمة، وتصاعد المخاطر العابرة للحدود، أخذت هذه المراكز في التمدد لتظهر في عدد من بلدان العالم، وانصبّت اهتماماتها على عدد من المجالات كقضايا الطاقات المتجددة والتغير المناخي، والتنمية المستدامة، وتطوير الاقتصاد، وتوطين التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب المجالات التقليدية المتصلة بالسياسات الخارجية والشؤون العسكرية، في سياق إرساء علاقات تواصل بين البحث العلمي من جهة وصناع القرار من جهة أخرى، لترشيد السياسات وبلورة رؤى استشرافية في هذا الصدد.
وهكذا، أضحت مراكز البحث والفكر من ضمن أهم المقومات التي تعتمد عليها الدول الكبرى في عقلنة وتوجيه قراراتها من جهة، ورسم سياساتها وتعزيز حضورها الدوليين من جهة أخرى، عبر ترسيخ التواصل العلمي والثقافي.
علاوة على مساهماتها المتزايدة في تعزيز السياسات العمومية، أضحت هذه المراكز تمثل واجهة ثقافية وفكرية تعزز سمعة الدول في محيطها الخارجي، وتسهم في بلورة رؤى استراتيجية لها تأثيرات دولية، ونشير في هذا السياق إلى مؤسستي بروكينغز وكارنيغي الأمريكيتين، والأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية التي تعد من أقوى المراكز الفكرية بالبلاد.
وبذلك أضحت مقوماً وازناً ضمن مقومات القوة الناعمة التي تعتمد عليها الدول في ترويج القيم والمعارف والأفكار السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونموذجها الثقافي على المستويين الوطني والدولي، علاوة على دورها في دعم الدبلوماسية الموازية للدول من خلال فتح نقاشات فكرية بين مختلف النخب السياسية والأكاديمية والدينية بما يدعم تدبير الأزمات.
وفي هذا السياق، يندرج كتاب «مراكز الفكر في عالم متغير: التحولات والأدوار والتحديات»، للدكتور محمد العلي، الصادر عن مركز تريندز للبحوث والاستشارات (2024) الذي رصد فيه تطور مراكز الفكر والبحوث، وبخاصة في ما يتعلق بمقارباتها الفكرية، وأدوارها المتعددة، والتحديات التي تواجهها.
ففي معرض حديثه عن نشأة وتطور هذه المراكز يشير المؤلف إلى أنه ومنذ تسعينيات القرن الماضي، انتشرت هذه المراكز خارج القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية إلى عدد من بلدان العالم، مبرزاً أنها تتفوق بانفتاحها ومرونتها، على المؤسسات الرسمية في الاقتراب من دوائر الأعمال والتقنية وأصحاب المصلحة وجماعات الضغط.
يرى الكاتب أن هذه المراكز أصبحت تلعب أدواراً أساسية على مستوى تعميق مفاهيم التضامن الإنساني وترسيخها كإطار للتنمية المستدامة وتحصين التماسك المجتمعي، واستشراف المستقبل وتقديم ابتكارات تدعم حوكمة السياسات.
وفي هذا الصدد يشير إلى عدد من التجارب الدولية الرائدة، ففي الولايات المتحدة تستأثر هذه الهيئات بأدوار حاسمة على مستوى صناعة القرارات السياسية والدبلوماسية، أما في فرنسا فتستأثر هذه المراكز بما يعرف ب»الاستيراد/ التصدير الفكري»، وفي روسيا فقد سمحت هذه المراكز بانخراط الخبراء والأكاديميين في جهود الدبلوماسية العامة للبلاد، أما في الصين فيتطرق الكاتب إلى الطفرة التي شهدتها مراكز الفكر والبحوث خلال السنوات الأخيرة، حيث تم استحداث أكثر من 200 مركز في غضون ثلاث سنوات (2013-2016) في سياق السعي لتعزيز المكانة الدولية للصين.
