لا تطيق إسرائيل الأمم المتحدة، خاصة في هذه الولاية، وها هي الصدامات المتكررة بينهما تنتهي بتجميد العلاقة من الجانب الإسرائيلي حتى تنتهي ولاية أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للمنظمة أواخر العام الحالي.
هذه العداوة مبعثها أن الأمم المتحدة في زمنها الحالي تقول تجاه ممارسات إسرائيل في الأراض الفلسطينية ما هو أضعف الإيمان، وتحاول المنظمة منذ بدأت الحرب في غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ألا تكتم ما تستطيع من شهادة وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية بعيداً عن اللغة الرمادية.
قالت الأمم المتحدة الكثير عما جرى في غزة ونبّهت إلى مفردات الإبادة الشاملة تجاه سكانها، لا لتدين إسرائيل فقط، وإنما لتضع من يعنيه الأمر أمام مسؤوليته ليس فقط أمام حاضر هذه المنطقة، إنما أيضاً تجاه مستقبلها الذي تحاول آلة النار الإسرائيلية القضاء عليه.
لا تستثني إسرائيل في أي موضع تستهدفه أي فئة، لكن ما تفعله بالأطفال في غزة ولبنان يأخذ المنطقة إلى مستقبل يتغذى على العنف والرغبة في الانتقام ونسف احتمالات التعايش.
إسرائيل وهي تتمدد في مزيد من جغرافيا غزة ولبنان ترتكب حماقة طويلة المدى، ليست جديدة على نهجها، لكنها أعظم تأثيراً الآن، وأكبر أثراً في الآتي من سيناريوهات مرادة للمنطقة. يتقاسم الصغار مع غيرهم آلام النزوح والجوع والمرض والبحث عن موضع للحياة فوق أرض تتقلص يوماً بعد آخر وتضيق بأهلها، ويجد الأطفال أيضاً أماكن دائمة في قوائم الضحايا، لكن من ينتظر منهم لا تعني له الحياة إلا المعاناة، فالاتفاقات والهدن لا تعيد إليهم حقوقهم الأساسية، بل تجور على ما قد يتوفر منها في أوقات استثنئاية.
مرة جديدة، تقول الأمم المتحدة إن اعتزام إسرائيل توسيع وجودها في غزة خطوة تعني في أحد أوجهها مزيداً من البؤس للأطفال على الأوجه الصحية والغذائية والنفسية في بقعة صغيرة محشوة بالبشر الذين يستأسد عليهم حتى القوارض المتسللة من الشقوق التي لا يملك أحد خرائطها ولا تتبنى صناعتها جماعة أو جهة.
أما لبنان، فتقول الأمم المتحدة أيضاً إن الأرقام المتعلقة بصغارها مروّعة في محاولة للتذكير بقاعدة قديمة لم يعد له أثر، وهي حماية الأطفال في مواضع النزعات، وفق القانون الدولي الإنساني الذي يتعرض للتنكيل كل يوم.
أحصت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) 77 طفلاً قتلوا أو جرحوا في لبنان خلال أسبوع واحد، بمعدل 11 طفلاً كل يوم، وفي أحد الأيام السبعة، قُتل سبعة أطفال وأُصيب 30 آخرون.
الفاعل المباشر، كما هو معلوم، إسرائيل التي أنهت منذ إعلان الهدنة مع «حزب الله» منتصف إبريل/ نيسان، حياة 55 طفلاً وجرحت 212 آخرين.
تكرر إسرائيل تجربتها في غزة على الأراضي اللبنانية، والخطر أبعد من الجغرافيا، فالمكاسب المتوهمة من التوغل وتوسيع رقعة النيران تساويها خسائر قد لا ترى الآن، وخلاصتها تلغيم المستقبل، بما يجعله مهيأً للانفجار في وجه الجميع.
