الحربائيون اشتقاق من الحرباء التي سرعان ما تغير جلدها ولونها بحسب البيئة التي تحيط بها، وأكثر ما ينطبق وصف الحربائي على بعض الكتّاب والمثقفين والإعلاميين خصوصاً عندما ينتقل هؤلاء من خندق إلى آخر بسرعة البرق، فتتغير لغتهم، ويتبدّل خطابهم بين عشية وضحاها، وذلك وفقاً لعقارب الساعة التي تشير إلى أفول عهد وبداية آخر، مستفيدين، بالطبع، من العهدين أو من الزمانين، الزمن الماضي والزمن الحاضر، من دون أن تتصبب وجوههم عرقاً أو حياءً من هذا القفز من لون إلى لون ومن موقف إلى موقف بلا أدنى إحساس بالمسؤولية الأخلاقية والأدبية التي تعطيهم امتياز النخبة، ويا لها من نخبة تسقط حتى من عيون الأطفال والأميين والناس العاديين قبل سقوطها الفادح من الأوساط الثقافية التي تتمتع بنوع من نظافة الكلمة ونظافة الأخلاق .
الحربائي ليست لديه ثوابت إلا ثوابت مصلحته الشخصية، وعينه مصوّبة دائماً إلى حيث يمكن أن يستفيد ويكسب بصرف النظر عن الطبيعة الأخلاقية للمحيط الذي ينتفع منه، وهو بهذا المعنى انتهازي من طراز محترف يعرف من أين تؤكل الكتف كما يقولون، ويعرف كيف يداهن ويمالق وينافق بلغة مدائحية احتفالية لا ترى نقطة سلبية واحدة في الشخص الذي تنهال عليه كل هذه المدائح، فإذا ما غاب هذا الشخص عن الموقع المتنفذ الذي هو فيه وحل محله شخص آخر، فإن أقصى ما يفعله الحربائيون هو فقط تغيير الأسماء، أما المنظومة المدائحية التمجيدية فهي واحدة وشكل الخطاب واحد .
لكيلا نبتعد كثيراً من جوهر الموضوع فإن عدداً كبيراً من الكتّاب لا بد أنه كان يحيط بدائرة بعض المسؤولين النافذين في كل من تونس ومصر، وعندما حدث التغيير في هذين البلدين بقوة إرادة الشعبين الشجاعين، ظهر عدد من الحربائيين الذين غيروا لون جلودهم وأطلقوا الزغاريد في المرحلة الجديدة بسرعة البرق .
هذا لن ينطلي على أحد في تونس الخضراء، وفي أم الدنيا مصر، ولا ينبغي أن يكون للدجل الثقافي والتلوين الإعلامي مكان، فقد كانت الحرباوية ظاهرة ثقافية وإعلامية قائمة خلال سنوات الرماد والموت، أما اليوم وفي زمن الحياة، فلا موقع لكل محترف في تغيير مبادئه بالسرعة التي يغيرّ فيها حذاءه أو قميصه .
ثمة وعي عربي جديد بدأ يظهر في الشهرين الماضيين نأمل أن ينجح في إعادة ثقافة النبل والكرامة وعزة النفس إلى كل من يثق بقوة القلم وجوهر الكتابة .