الدمار الشامل

04:15 صباحا
قراءة دقيقتين

في الحرب العالمية الأولى التي استمرت أربع سنوات، قدّم قادة الإمبريالية الصاعدة عشرة ملايين إنسان كحطب بشري لنار صراعهم على النفوذ. وبعد نهاية الحرب، وجدت البشرية نفسها موحدة في مواجهة عدو فتاك لا يرى بالعين المجردة ولا بما تيسّر آنذاك من ميكروسكوبات متواضعة، وفي بضعة أشهر حصد فيروس الإنفلونزا الإسبانية أرواح خمسين مليون إنسان، وفي رواية أخرى، ثمانين مليوناً بالنظر إلى ضعف التغطية الإعلامية والرصد الإحصائي في تلك الفترة قياساً بإمكانات اليوم.

دفن الناس قتلاهم في مقابر جماعية وراحوا يبكونهم في المناسبات السنوية، ويغرقون في شجن الابيم صور الأحباء والأصدقاء. وانبرى بعض العلماء يبحثون في سر فيروس الدمار الشامل ذاك بدافع النبل الإنساني أو التحدي العلمي أو الفضول الشخصي، أو سعياً لمقابل مادي أو جائزة تحمل اسم نوبل الذي اخترع الديناميت لمساعدة العمال والتخفيف عنهم وتمكينهم من الحياة، فوظّفه قادة الطبقات الصاعدة في صنع الأسلحة ونشر وسائل التدمير. لم يرصد وزراء مالية العالم ما يكفي كحد أدنى من الميزانيات لاختراق جدار الوباء وحماية أرواح الناس. وظل الفيروس يتحوّر ويتطور ويتكيّف مع المضادات الضعيفة التي حوّلها إلى جزء من قوته الفتاكة، فيما انبرى العلماء المسخّرون لخدمة السلطة والمسخّرين للعلم كأداة لنصرة الموت على الحياة، في البحث عن وسائل جديدة للموت والتدمير، وابتكار شتى أنواع الفناء للإنسان والممتلكات أو للإنسان من دون الممتلكات أو للاثنين معاً، وقدموا للبشرية أسرع الطرائق وأقصرها للفناء الذاتي.

لم تدفع الملايين من ضحايا الوباء الفتاك ولاة أمر العالم لكي يستثمروا المال والعلم في صنع الحياة، ولو فعلوا لما كانت هناك حاجة لجائزة نوبل التي تعبر عن ندم مخترع الديناميت، وفي الوقت ذاته تشير إلى فرادة المبادرة التي لم يكررها مخترعو الأسلحة المحرمة، ولم يفعلها أولئك الذين أسقطوا القنبلة النووية على هيروشيما وناغازاكي، ولا صانعو الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.

تجار الموت لا يحسنون صنع الحياة، فهم أصحاب فلسفة تقوم على فلسفة لا يعنيها موت الملايين من الناس ما دام في موتهم زيادة ملياراتهم. جلبوا لنا حربين عالميتين مدمرتين ولم يرو شلال الدم ظمأهم فواصلوا صنع السلاح المدمر.

وها هي إنفلونزا الخنازير تثير الرعب في كل الكون، لكن علماء عباقرة مازالوا يبحثون عن سر إقبال البعوض على البشر.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"