للرحيل في الذاكرة الإنسانية إرث كبير بأدبيات بلا حدود.. كتاب منتفخ بالتفاصيل الروحية والعقلية والوجدانية الفائقة الخصوصية.. آراء ومشاعر وتصورات. فتجربة الرحيل واحدة من أكثر تجاربنا عمقا وأكثرها اكتنازا بحجم التفاصيل العميقة المحفورة بعيدا في ذاكرتنا، وبتفاصيل تدهشنا عن أنفسنا أول ما تدهشنا.. وربما تكون أكثرها انحيازا للكائن الذي كناه على حساب الكائن الذي سنكونه إثر مغادرتنا لتفاصيلنا المسطورة والمصفوفة والمختبئة بدقة في زوايانا الكثيرة.سأقف هنا لدى شكل واحد للرحيل وهو رحيلنا من منازلنا التي نعيش بها فصلا أو فصولا من حياتنا. أي مخيلة وأية ذاكرة وأية تفاصيل جديدة لخريطتنا الإنسانية تلك التي تحل علينا لدى تغييرنا لمنازلنا.. أي نحن الذين نكتشف مجددا لدى تجربة المغادرة، أليس إعلاننا الصامت عن رغبتنا في التغيير واعتراضنا المبطن على جزء منا يرفض الاستسلام للقادم .. أليست المستقبل المتسربل إلينا في شقوق ماضي وحاضر التجربة بكل ما خلصت اليه.أي صورة جديدة لأركان المكان، لجدرانه، لأبوابه، لنوافذه، لبواباته، لحديقته حين نهم بمغادرة المشهد، إلى محطة جديدة من محطات حياتنا.زوايا المطبخ، غرفة الجلوس، طاولة القهوة الصغيرة التي تجمع حولها الأسرة كل مساء، جهاز التلفاز، أحاديثنا المسائية، ضحكاتنا، مشكلاتنا الصغيرة والكبيرة، أوقاتنا الحلوة والعصيبة، كلها تندفع إلى فوهة التذكر ونحن نلملم أشياءنا إيذانا بالرحيل.أما الكتب والأوراق وما تثيره من عقبات وفواصل عمرية إزاء استمرار ترتيبها في صناديق الرحيل معلنة العصيان تارة والرفض تارة، والحزن الشديد تارات، لتوقفنا عنوة إزاء تفاصيلنا وذكرياتنا مع كل صفحة وسطر وكلمة، في رحلة تذكر فريدة فتلك حكاية الحكايات.خروجنا من منازلنا التي فيها تعرفنا إلى جزء كبير منا، عشنا فيها مع آباء وأمهات، أخوة وأخوات، أنجبنا فيها أولادنا، تلك التي عرفت وجوها كثيرة لنا وشهدت على ولاداتنا الكثيرة والمتنوعة حقبة خاصة طالت أو قصرت من تاريخنا وجغرافيا الزمان والمكان في حياتنا، هو خروج حقيقي من أرواحنا الكائنة، تغيير ليس فقط لمفردة المكان لكن تغيير لوطن الروح، ذهاب لحياتنا بأسرها إلى أوطان جديدة ليس فقط مجازيا بل فعليا وبامتياز نادر. ريم عبيدات [email protected]