أعلن الرئيس السوداني عمر البشير في افتتاح مؤتمر القمة العربية في دمشق أن بلاده أتمت كل الترتيبات اللازمة لاستقبال ألفي لاجئ فلسطيني من الهاربين من العراق والمتواجدين على الحدود السورية، وهو ما كانت الخرطوم قد أعلنت عن نيّتها أن تقوم به قبل شهور، واستفاض مستشار الرئيس السوداني الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل في جلستنا معه الأسبوع الماضي في مكتبه في الخرطوم في التنويه بأهمية هذا الإسهام السوداني. وللحقّ، لا يمكن إلا التثنية على هذا الأمر، والتنبيه إلى أنه يوائم تماما بين الأقوال والأفعال، أي بين المشاعر التي يستطيب عرب كثيرون الإطناب في التعبير عنها تجاه إخوانهم الفلسطينيين، من دون أن يوازوا ذلك بخطوات عمليّة وواجبة ومقدور عليها. وأول ما يَحسن التذكير به جيّدا في هذا المقام أن مأساة آلاف الفلسطينيين في العراق بعد احتلاله منذ خمس سنوات احتاجت إلى جهد عربي، حكومي وأهلي، كان للأسف غيابه شديد الحدّة، وإن ما زال في البال أن مساعدات طيّبة سيّرتها الإمارات والسعودية إلى أولئك في محنتهم التي دلّت أيضا على بؤس الحال العربي. بدأ البشير كلمته بالموضوع الفلسطيني ثم راح إلى شؤون لبنان والعراق والصومال، بعد أن أشار إلى مخاطر التدويل الجاري فيها، وعطف عليها قضايا السودان التي أجمل بشأنها شوق بلاده إلى تعميم السلام والاستقرار والأمن، وجاء على ما يجري من جهود على صعيد مشروعات تنمية في غالب مناطق إقليم دارفور، وأيضا بشأن عودة النازحين من أهل الإقليم، وعددهم يقارب نحو مليوني سوداني، إلى قراهم ومنازلهم. وقد يجوز أن يرى أحد في إيثار الرئيس السوداني الأولوية في كلمته قضايا العرب على قضايا بلاده مكابرة ما، غير أن السؤال يجب أن يتصل بما تحتله قضايا السودان في أجندات العرب وأولوياتهم، وما إذا كانت معاونة هذا البلد على مواجهة تحديات شديدة الصعوبة أمرا يحوز على الاهتمام الواجب أم لا. هي رسالة من السودان في القمة العربية واجبة القراءة، موجزها أن في وسع هذا البلد ونخبه وناسه أن يقوموا بأدوار جوهرية ومحمودة في مختلف القضايا العربية، القائمة والمستجدة، منذ ما قبل لاءات الخرطوم إياها، ووصولا إلى محاولات لحل التأزم اللبناني الراهن، وحتى هذه المبادرة الطيبة في استقبال أولئك الفلسطينيين المنسيين، إلى أن تتحقق لهم العودة إلى وطنهم. وكان يُمكن أن تُبادر إلى هذه الخطوة بلاد عربية أخرى أقرب جغرافيا ونفسيا، وقومية الخطاب والنبرة، لكنها لم تفعل، فقام السودان بلفتته، وهذه كل القصة.