د. نسيم الخوري

نشر زميل أكاديمي على «الواتس أب» نصّاً منقولاً كما قال، عن دورين كايز الكاتبة الأمريكيّة في كتابها بعنوان: «ضفادع وعقارب». لا تروق لي ظاهرة الكتابة السريعة «الشاتينغ» أساساً، التي تجتاح العالم. صوّبت نصّه أولاً؛ لأن الكاتبة مولودة في كندا (لبنانيّة الأصل)، وهي ثانياً وللمصادفة ابنة خالتي أسماء الخوري المتزوّجة من سعيد الغزّ رحمهما الله وهما من المهاجرين من الكفير آخر قريةٍ في الجنوب اللبناني. إن تجاوزتها شرقاً قرب جبل حرمون، دخلت في أرض البقاع على الحدود السورية اللبنانيّة، وثالثاً هي مؤلّفة الكتاب اليتيم الشهير جدّاً بالإنجليزية:
«FROGS AND SCORPIONS، Egypt, Sadat, the Media»؛ أي «ضفادع وعقارب، مصر، السادات، الإعلام» الصادر في أوّل يناير/‏كانون الثاني 1984، والذي ترجمه ونشره مصطفى كمال بتصرّف بعنوان: «ضفادع وعقارب، من الذي قتل السادات؟» عن إحدى دور النشر في دبي 1986، معتبراً بأنّ استخدام أنور السادات للإسلاميين ثمَ محاولته التخلّص منهم؛ هو الذي أدّى إلى اغتياله، ورابعاً وهو الأهم أنّ دورين العزيزة قد سلّمها الله، وأتضرّع بأن يشفيها، كانت في عداد المدعوين إلى المنصّة التي اغتيل فوقها وأمامها الرئيس المصري محمد أنور السادات في 6 أكتوبر/‏تشرين الأوّل 1981؛ إذ وقف القناص (حسين عباس) مطلقاً رصاصاته في عنق السادات، بينما صرخ أحدهم (خالد الإسلامبولي) بالسائق أن يتوقف؛ لينزل ويلقي قنبلة ليعود برشّاشه إلى المنصّة. كان السادات قد نهض واقفاً بعد إصابته في عنقه وهو يصرخ، بينما انبطح الحضور، ومنهم ابنة خالتي دورين أسفل كراسيهم فوق أدراج المنصّة. كانت دورين الغزّ هناك؛ بصفتها الإعلامية مديرة لمكتب ال«A.B.C
» الأمريكي في باريس؛ حيث جمعتنا الغربة الباريسية في السراء والضرّاء، ومجدّداً حول التاريخ الذي دمغ تاريخ العرب، وفي وثائقه صدور «الضفادع والعقارب» لدورين التي لم تزر الشرق من ذلك الزمان، ولأمسح بدوري جبين العرب بنص من مخطوطة بعنوان: «مصر وشعرة معاوية (3)» نشرت في مجلّة المستقبل بباريس التي عملت فيها.
تقول القصّة التي لا تموت في توصيف الانهيارات السياسية الحاصلة في العالم التي تجدها في كلّ مجتمع عربي كبيراً أو صغيراً، وتنسب إلى كتاب «كليلة ودمنة» وهناك من ينسبها إلى الأدبيّات الألمانية من دون فهم للسبب، وهي قصّة شائعة سمعناها من أمّهاتنا وأجدادنا، ويمكن عصرنتها والقيام بإحيائها ومصادفتها اليوم على مستويات العلاقات البشرية الفردية والعائلية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والوطنية وخصوصاً السياسية والدولية، بأنّ العقرب الذي اجتاز اليابسة شاء عبور النهر، متوسّلاً للضفدع؛ ليحمله على ظهره نحو الضفة الأخرى. ولأنّ الضفدع مسكون بخيانة العقارب بالغريزة، رفض طلب العقرب الذي أقسم له بأنّه لن يفعلها. حمله الضفدع؛ لطيبته ونظافة رأسه، وما إن اقتربا من الضفة الأخرى حتّى عاد العقرب إلى طبيعته، ولسع الضفدع الذي نظر إليه، وهو يلفظ أنفاسه، سائلاً: كيف فعلت بي هذا وأنت أعطيتني العهد والميثاق؟. ضحك العقرب هامساً بصوتٍ خافت، وقد صار فوق اليابسة: لا تنسى يا صديقي نحن في الشرق الأوسط، كما جاء في كتاب دورين.
صحيح أنّ العقارب المتزاحمة حالياً في الشرق الأوسط، ومثلها طوابير الضفادع تفرش البحر الأبيض المتوسط والشرق العربي والأوسط ،أمامنا يابسة مفتوحة للمال والسلاح والإرهاب والإجرام والطعن بالظهر على نسق أجيال العقارب المتكاثرة الأحجام، والمتنوّعة السموم، والمختلفة الأحابيل والأفكار، المقيمة والمستوردة والحاملة لمختلف الجنسيات، كما تفرشه أيضاً الأنهار والبرك والثقافة الحافلة بالضفادع التي أدمنت وتدمن النقيق الفارغ؛ طلباً للتغيير والتطوّر والاستقرار؛ لكنّها تألف اللسع والموت فتُقتل وتنزل إلى قاع المحيطات فتشكّل طبقات ميتة رسوبية رخوة خضراء حلزونية لا جذور لها تعلك موت أجيالها وتراكمه خيباتٍ وهزائم وأخطاء لم تتلقّفها ذراريها فوق سطح الماء بعد، لكنّ الأصحّ أنّني أتطلّع من هذا الواقع إلى إبراز الصورة التي حبكت الجذور بيني وبين دورين أنموذجاً نظيفاً ومتواضعاً لحبك الجذور بين العرب أفراداً ودولاً وأنظمةً ونخباً في زمنٍ تبدو فيه العين العالمية تستغرق في الشاشات في مشاهد احتراق رئة الأرض في غابات الأمازون؛ لتهاجر العقارب والأفاعي في كلّ الاتّجاهات، كما تسترق الأسماع في التداعيات الخطرة لانفجار الطائرتين «الإسرائيليتين» من دون طيّار في ضاحية بيروت على سبيل المثال؛ إذ ملأت العقارب الفضاء، لكن الأصحّ قطعاً الكتابة أنّ الأشجار في الأغلب تتعانق فوق الأرض وتتداخل وتتشابك؛ لتؤلّف ما يُعرف ب«الغابات البكر» التي لم تمسّها قدم بشريّة على الإطلاق؛ لكنها تيبس وتحترق وتترمّد، لكنّ الجذور تبقى بفصائلها تحت التراب في أربطةٍ هائلة وقوية تحمل الأرض إلى الأبد خمائر حياة ما إن يهطل المطر.