كون هالينان *

خلال المواجهة العسكرية بين الهند وباكستان في أوائل هذا العام إثر هجوم لمجموعة مسلحة قتل خلاله أكثر من 40 جندياً هندياً في كشمير، وجهت نيودلهي تهديداً إلى إسلام أباد.
السلاح الذي هددت الهند باستخدامه لم يكن ترسانتها النووية الضخمة، وإنما سلاحاً فتاكاً هو المياه.
في 21 فبراير/‏شباط، قال وزير النقل الهندي نيتين غلدكاريكين: «سوف نحول مياهاً من أنهار شرق البلاد من أجل إمداد شعبنا في ( ولايتي ) البنجاب وجامو وكشمير». وتسيطر الهند على ثلاثة أنهر كبرى تتدفق نحو باكستان.
وفي النهاية، لم يحدث اصطدام خطير بين البلدين، حيث اكتفت الهند بقصف بعض الغابات، في حين قصفت باكستان بعض الحقول.
غير أن هذه المواجهة تؤكد تعاظم أزمة المياه في جنوب آسيا، حيث المدن الكبرى المتعطشة للماء، وكذلك الزراعة المكثفة، أخذت تجفف فعلياً شبه القارة الهندية وجوارها المباشر. وأظهرت دراسات حديثة العهد أن نصف سكان الهند - أي 700 مليون نسمة - سوف يفتقرون لكميات كافية من مياه الشرب. وفي الوقت الراهن، يعاني 25 % من سكان الهند الجفاف.
وحذر إسماعيل سراج الدين، وهو مدير تنفيذي سابق في البنك الدولي، من أنه «إذا كانت حروب القرن العشرين قد احتدمت حول البترول، فإن حروب هذا القرن سوف تحتدم حول المياه».
ومع أن العلاقات بين الهند وباكستان كانت متوترة دائماً - حيث خاض البلدان 3 حروب منذ 1947 - إلا أنهما يمثلان قدوة فيما يتعلق بتقاسم المياه. وفي عام 1960، وقع البلدان معاهدة مياه نهر السند بعد نحو عقد من المفاوضات. وتتعلق المعاهدة عملياً بتقاسم مياه ستة أنهار رئيسية.
غير أن التوترات التي لا تنتهي بين البلدين حول كشمير جعلت المياه مسألة أمن قومي بالنسبة لكليهما. وأزمة المياه الخطيرة أصلاً تتفاقم اليوم نتيجة للتغير المناخي، حيث إن سلاسل الجبال التي تمد الهند وباكستان بالمياه أخذت تفقد الكتل ( أو الأنهار ) الجليدية. وتقدر دراسات أنه بحلول عام 2100، سيكون حوالي ثلثي الكتل الجليدية في هذه المنطقة ( التي تعد أكثر من 14 ألف كتلة جليدية ) قد اختفى نتيجة للاحترار المناخي.
ومن أجل معالجة مشكلة تناقص إمدادات المياه، لجأت الهند - مثلها مثل دول عديدة أخرى - إلى بناء سدود. ولكن السدود لا تحد فقط من وصول إمدادات مياه إلى مناطق في أسفل مجاري الأنهار، بل هي تعيق أيضاً التدفق الطبيعي للطمي ( الغرين ). والطمي حيوي من أجل إمداد الأراضي الزراعية بتربة غنية بالمغذيات.
ومسألة المياه في جنوب آسيا لا تقتصر على الهند وباكستان فحسب، بل هي تشمل أيضاً الصين، التي تضم منابع عشرة أنهر رئيسية تتدفق عبر 11 بلداً وتمد 1،6 مليار إنسان بالمياه. وحسب تعبير علماء، فإن الصين تسيطر على «القطب المتجمد الثالث» - أي ذلك الخزان الهائل من المياه العذبة المتمثل بالثلوج والجليد في جبال الهيمالايا.
والصين أيضاً تبني الكثير من السدود، وتستخدم الكثير من مياه الأنهار من أجل توليد الطاقة الكهربائية. واليوم، هناك أكثر من 600 سد موجودة فعلياً أو هي قيد التخطيط استعداداً لبنائها في منطقة الهيمالايا.
وإذا كانت الهند والصين تضمان معاً حوالي ثلث سكان العالم، إلا أن البلدين يحصلان فقط على 10 % من موارد المياه العالمية. وحتى اليوم، ليست هناك أي معاهدة حول المياه بين الهند والصين. ولكن التعاون بين هذين البلدين العملاقين أصبح اليوم ضرورة حيوية. إذ إن كلا البلدين يحتاج مياه «القطب المتجمد الثالث» من أجل الزراعة، وتوليد الطاقة، وتأمين المياه والغذاء لمدن عملاقة مثل بكين، ونيودلهي، ومومباي.
ومنطقة جنوب آسيا - الصين ليست المنطقة الوحيدة في العالم التي تواجه أزمة مياه. إذ إن جميع قارات الكرة الأرضية بدأت تواجه مشكلة نقص المياه. وحسب المنتدى الاقتصادي العالمي ( منظمة دولية مستقلة وغير ربحية )، فإن موارد المياه لن تكفي بحلول العام 2030 سوى لتأمين 60 % من احتياجات العالم اليومية من المياه.
وهذا يعني أنه لم يعد من الممكن اليوم أن يكون هناك حل محلي أو إقليمي لأزمة المياه، لأن المشكلة أصبحت عالمية. والمنظمة الوحيدة التي تشكل منظمة عالمية فعلية هي الأمم المتحدة، التي أصبح يتعين عليها الآن أن تتخذ المبادرة من أجل عقد اتفاق عالمي حول المياه.

* كاتب ومحلل سياسي ومحاضر في الصحافة - موقع «كاونتر بانش»