أنظمة طبائع الاستبداد تمتد مساوئها إلى كل شيء في حياة الأفراد . بعوضها يلسع حتى وهو بعيد آلاف الكيلومترات، لم أكنْ أكنّ أي احترام للنظام البائد في تونس، مادفعني إلى الانقطاع عن زيارتها ست عشرة سنة . على رأي الشاعر: هجرتك لا قلى مني ولكن . . رأيت بقاء ودك في الصدود .
زرتها لإلقاء آخر نظرة على شقيقي . كأن الأجل أوحى بالدنو، وسمح بالوداع . حرمني الاستبداد رؤيته حين كان في كامل قواه . لم يكن في حياتي أي نشاط سياسي . كنت كما يقول الأستاذ هيكل: لست معارضاً، أنا مختلف . وكان الاستبداد يرى القلم آلة جريمة .
الحواس تعمل، لا تحتاج إلى مهمة وتكليف، ولا تدرك معنى للظروف أملائمة هي أم لا . الشوارع والساحات تنطق، ولحركات الناس وهيئاتهم وتصرفاتهم بيان وتبيين . وللأنظمة انعكاس على مواطنيها . إذا كان النظام يعمل ليل نهار على راحتهم وسعادتهم وازدهار البلد وأمنه واستقراره، رأيت الشعب وعلى قلبه السكينة والطمأنينة إلى الغد . وإذا كان النظام نظام فساد وقمع واستبداد، يُهمل الأرض ويدوس العباد، رأيت الشعب منقسماً على نفسه، يمشي على رأسه .
هنا يُجري الذهن عمليّات مقارنة آلية، من باب: السيئ بالسيئ يُذكر . ولا شيء أسوأ من قول شاعرنا: رب يوم بكيت منه . أمر عادي أن يتمنى الناس بعض سمات نظام بائد: الأمن والأمان، قدرة الإنسان على الخروج من بيته والعودة إليه من دون مفخخات، استقرار الأسعار والعملات إلخ . . . أما غير العادي فهو أن يتشابه بلدان في المساوىء جراء عدوى حزبية، ايديولوجية . عدوى سريعة الانتقال، فلاشك أن أسس الحزب مهيأة لتلك الأنماط من الظاهرات . مثل الأدوية ذات المفعول الواحد والأسماء مختلفة . الواحد هو الاسم العلمي .
ما يجمع بين حكم الإخوان الخوانجية في تونس، ومصر يدعو إلى الدهشة: السعي إلى الإمساك بكل مقاليد السلطة، السيطرة على كل المفاصل والمفصليات، استفحال البطالة، شيوع الانفلات، انهيار السياحية، الغلاء والتضخم، سقوط منظومة الخدمات، تغوّل ظاهرة الأوساخ وأكوام القمامة، استفحال النشل والسرقة والسطو وعدم اهتمام الأجهزة المختصة، انتشار مفاسد الأخلاق ما يتناقض مع واجهة السلطة، تكاثر الثقوب الحدودية للتهريب بكل أنواعه، اضطراب التعليم، التركيز على الهامشيات والمظاهر كاللحية والنقاب . وهلمّ جرّا، ولا يمكن أن تأتي المتشابهات مصادفة .
لزوم مايلزم: ما الحاجة إلى العقل إذا كانت حفنة شعر حول الوجه تعطينا تنمية شاملة وبحثا علميا وتطويراً؟