العراق وتداعيات القوة الغاشمة

02:56 صباحا
قراءة 3 دقائق

قال أحد الفلاسفة المعاصرين إن القوة القاسية والفظة ليست في العادة قوية بما فيه الكفاية، ويصدق ذلك في اعتقادنا على التخبط الأمريكي في العراق، الذي وصل إلى مستويات عليا من التعفن في التنكيل والبطش بشعب عربي أعزل، لا يملك من الأسلحة سوى خيار المقاومة والتصدي لخطط وبرامج أعتى قوة دولية في العالم. والخطأ الجسيم للقوة الأمريكية هو الذي نلمسه في اعتقاد سياسييها أن الإمكانات العسكرية الهائلة تكفي وحدها لكسر الإرادات الحرة للشعوب وتجسيد المشاريع الاستعمارية المشبوهة، وبالتالي فكلما صادفت الحلول التطبيقية التي يتبناها خبراء الاستراتيجية الأمريكية عراقيل جدية وعميقة على مستوى آليات التنفيذ، تضاعفت وتيرة استعمال القوة لتصل إلى حدود تسيء إلى الجلاد، ليس على المستوى المعياري والأخلاقي فقط، ولكن، وربما بقدر أكبر، على مستوى التوازن النفسي الهش لمن يشكلون ذراعه التي يزرع بواسطتها الرعب والدمار.

لم يشهد تاريخ الصراعات العالمية المعاصرة قوة تستعمل الترسانة العسكرية الثقيلة من دبابات وطائرات نفاثة لقصف المدنيين، مثلما تفعله أمريكا في العراق، وتمارسه صنيعتها إسرائيل جهاراً نهاراً من أجل تشريد الفلسطينيين وإبادتهم، ومع ذلك فإن تضاعف قوة الغاصبين يقلص إلى حد كبير من هامش مناوراتهم السياسية ويسهم في اندحار وتدمير استراتيجيتهم ويُفاقم من مستوى عجزهم، ويزيد بؤس وتهافت شعاراتهم وخطبهم الدعائية، وهي وضعيات سبق للكثير من أعداء الأمة أن أقروا بتأثيراتها السلبية والمضرة على مستوى النتائج النهائية للصراع، فقد صرح وزير الحرب الصهيوني ايهود باراك، حينما كان يتولى حقيبة رئاسة الوزراء، أن الفلسطينيين يحرجوننا بضعف إمكاناتهم. صحيح أن تواضع الإمكانات المتوفرة للمقاومة في العراق وفلسطين قد يؤدي على المديين المتوسط والبعيد إلى استفاقة ولو متأخرة للضمير العالمي، ولكن الذي يقلق أكثر أمريكا ونُسخها المعادة في المنطقة هو التوازي المذهل الذي يميز شح الوسائل وتواضعها مع قوة الإرادة والصمود، وتضاعف وتيرة المقاومة كلما خُيّل للعدو أنه أصبح قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أهدافه.

إن شعب العراق الجريح يعايش يوميات حالكة من الدم والدموع، وتتضاعف هوة الخلاف بين مكوناته الثقافية، ويعايش أبناؤه أحقاداً وصراعات دخلت تراب بلاد الرافدين وهي تمتطي صهوة الدبابات الأمريكية، لكن المشروع الوطني لن تكسره القوة الغاشمة ولن تقضي عليه طموحات أصحاب المشاريع المشبوهة والأجندات الخفية، التي يسوؤها أن يستعيد العراقيون وحدتهم وانسجامهم وإيمانهم الصلد بعروبتهم. لقد تكالبت على العراق عبر تاريخه الطويل والحافل بالأمجاد والبطولات قوى الظلم والاستعمار، لكنها لم تتمكن من إخضاعه وجعله شوكة في خاصرة أمته ومحيطه العربي الإسلامي. فقد أثبت منطق التاريخ، أن العراق أصلب وأقوى من كل مخططات المسخ والتشويه التي ما فتئت تتعامل مع أمانيها وأحلامها الشاذة وكأنها تجسيد لواقع مكذوب، فقد اختلفت المشاريع الأمنية الأمريكية وتعددت كماً وكيفاً، ولكنها كانت تصطدم دوماً بحنكة العراقيين وكفاءتهم في إدارة الصراع مع المحتل.

لم تستطع أمريكا أن تتقبل حتى الآن الحقيقة التاريخية البسيطة التي مؤداها أن الصراع بين الحضارات لا يمكن أن تحسمه القوة العسكرية، وأن العراق العربي المسلم سينتصر لأنه كان، ولا يزال، يؤمن بأن من حقه أن يتمسك بمقوماته، ولن يقبل من حضارة الآخر إلا ما كان غير متعارض مع ثوابته وأصالته. ليس فقط لأن القوة في حد ذاتها تعتبر أكثر المفاهيم نسبية في مقياس السياسة البشرية، ولكن لأن القوة لم تستطع على الدوام أن تبني حضارة ولا أن تؤسس دولة يُفضّل شعبها أن يعيش حراً طليقاً، بعيداً عن وهم مؤسسات، هي تسميات لمسميات لا وجود لها إلا في خيال من امتهنوا تعليب الأحلام المزعجة.

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"