صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
الحسين الزاوي
أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية
أحدث مقالات الحسين الزاوي
24 مايو 2026
إعادة التموضع الفرنسي في إفريقيا

تسعى الدبلوماسية الفرنسية منذ خروجها من العديد من دول غرب إفريقيا، إلى إعادة التموضع في القارة السمراء بعد أن أجبرتها الانقلابات والتحوّلات السياسية التي شهدتها بعض مستعمراتها السابقة في منطقة الساحل على إغلاق معظم قواعدها العسكرية لتنتقل بذلك، وفق تعبير بعض المتابعين، من مرحلة الحضور العسكري إلى مرحلة الدعم الدبلوماسي لدول القارة التي ما زالت تربطها علاقات ودية بباريس، بهدف إعادة رسم وتشكيل علاقات فرنسا في القارة، لاسيما بعد مرور ثلاث سنوات على وقوع انقلاب النيجر الذي مثل نقطة تحوّل كبرى في مسار الوجود الفرنسي في غرب إفريقيا بشكل خاص وفي القارة بأكملها بوجه عام.

وتعتمد السياسة الخارجية الراهنة لفرنسا على مقاربة جديدة في تعاملها مع ملفات القارة، تقوم على تواجد أقل من الناحية العسكرية واعتماد أكبر على الشراكات الاقتصادية مع انفتاح واسع على شرق إفريقيا والدول الناطقة بالإنجليزية التي لا تُدخل في علاقاتها مع فرنسا حسابات الذاكرة، وهذا ما يفسّر إلى حد بعيد اختيار كينيا كمقر لانعقاد القمة الفرنسية- الإفريقية الأخيرة، التي احتضنت فعاليتها العاصمة نيروبي يومي 11 و12 مايو/ أيار الحالي، وتزامنت مع جولة للرئيس الفرنسي إلى عدد من دول شرق إفريقيا شملت إلى جانب كينيا، كلاً من مصر وإثيوبيا. وجرى تقديم هذه الجولة الدبلوماسية للرئيس ماكرون من قبل أطراف حكومية في باريس على أنها تمثل حصاداً لسياسة ماكرون في إفريقيا قبل سنة من مغادرته لمنصبه في قصر الإليزيه.

وترى بعض الأوساط الفرنسية أنه وخلف الشعارات الدبلوماسية التي تم اعتمادها بمناسبة انعقاد قمة نيروبي، والتي تمحورت حول عناوين براقة مثل: الابتكار، التنمية، الشباب، المناخ، الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد الأزرق، تتجلى الخطوط العامة لإعادة التموضع الفرنسي في إفريقيا والقائمة على تبني سياسة إفريقية جديدة تعتمد على الواقعية السياسية التي تُفضل المصالح والشراكات الاقتصادية على الأولويات اللغوية والثقافية التي جعلت باريس تركز لأكثر من 6 عقود على الدول الفرانكفونية. وبخاصة أن الدول الناطقة بالإنجليزية في شرق إفريقيا تشهد نهضة اقتصادية مثيرة للإعجاب، ويمكنها أن تشكل سوقاً واعدة للمنتجات الفرنسية، بعد أن بدأت الفرص الاستثمارية في دول مثل ساحل العاج والكاميرون والغابون والتشاد، تشهد انحصاراً ملموساً بسبب الاضطرابات السياسية في هذه الدول.

وإذا كانت البلاغة الرسمية للإليزيه قد تحدثت رسمياً عن أهداف فضفاضة لقمة كينيا، مثل إقامة علاقة متوازنة مع الدول الإفريقية ومفيدة لكل الأطراف، فإن الرهانات الحقيقية للقمة كانت مرتبطة بأبعاد جيوسياسية حيوية، لأن فرنسا تعمل بجدية من أجل تأمين مصالحها الاقتصادية في المجالات التي تتميز بأولوية استراتيجية مثل التحوّل الطاقوي والمعادن والأتربة النادرة، وبالتالي فباريس لا تريد أن يتم تهميشها من طرف الصين التي تموّل بناء الموانئ والطرقات والصناعات التحويلية في العديد من الدول الإفريقية، وتنظر بحذر لواشنطن التي تعمل بجدية للعودة إلى القارة الإفريقية عبر بوابة الأمن والاقتصاد.

ويمكن القول إن نقطة القوة الرئيسية التي تمتلكها فرنسا في سياق المنافسة التي تجمعها مع الصين وروسيا في إفريقيا، تتمثل في أنها تعتبر من البلدان القليلة في العالم التي تمتلك تفوقاً في مجال صناعة الطاقة، فهي من جهة تتوفر على كفاءات مشهود لها في مجال الطاقة النووية المدنية، وتمتلك من جهة أخرى تقنيات متطورة في مجال الطاقات المتجددة، وتتوفر على خبرة طويلة في مجال الربط الكهربائي، وتستطيع أن تساعد الدول الإفريقية على توفير حاجياتها المتزايدة من الطاقة الكهربائية بشكل اعتمادي ووفق معايير معترف بها دولياً، وهي متطلبات قد يصعب على روسيا والصين توفيرها في المرحلة الحالية. ومن ثم فإن باريس تقول إنها تراهن على النوعية لا على الكمية كما تفعل بكين.

بيد أنه ورغم التفاؤل الفرنسي بشأن الشراكة مع إفريقيا، إلا أن التحديات الحقيقية على أرض الواقع، تفيد بأن حصة باريس من السوق الإفريقية تقلصت إلى النصف خلال العشرين سنة الماضية ولم تعد تتجاوز 4 في المئة، كما أن أرقام الاستثمار التي جرى الإعلان عنها في نيروبي، تمثل في مجملها نوايا استثمار للشركات الكبرى وليست مبالغ مالية يمكن الاستفادة منها بشكل فوري، وفضلاً عن ذلك فإن مديونية فرنسا وصلت إلى مستويات قياسية تجعلها عاجزة عن تقديم مساعدات ملموسة لشركائها الأفارقة، في الوقت الذي ينتظر فيه الشباب الإفريقي فرصاً حقيقية لا مجرد وعود.

ويذهب المراقبون إلى أن التحدي الأكبر الذي ستواجهه فرنسا في إفريقيا مستقبلاً، لا تمثله الصين فقط ولكن الولايات المتحدة التي تعلم جيداً أن القارة تمتلك 30 في المئة من احتياطات المعادن في العالم، لاسيما وأن واشنطن تتبنى مقاربات استراتيجية أكثر جرأة للاستثمار في القارة يصعب على فرنسا مجاراتها تكنولوجياً ومالياً، وقد تكون جاهزة للتطبيق بعد انتهاء ولاية ترامب الذي تثير سياسته مخاوف سيادية بالنسبة للدول الإفريقية.

[email protected]

7 مايو 2026
التحديات الجيوسياسية للذكاء الاصطناعي

تُجمع المقاربات المختلفة للذكاء الاصطناعي على أن هذا المجال الذي كان يمثل جزءاً متواضعاً من اختصاص المعلوماتية وعلوم الحاسوب في سياق علمي وأكاديمي صرف، تحوّل بداية من سنة 2019 إلى أكبر ساحة للصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى، لاسيما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين؛ وأضحى يشكل رهاناً أساسياً في معادلة توازن القوى في العالم، وتراجعت بذلك الحسابات المتعلقة بالقوة العسكرية التقليدية لتحل محلها تحديات القوة الرقمية الهادفة إلى إعادة تعريف عناصر السيادة الخاصة بالدول، بناء على صلابة الانتشار الرقمي، وليس على الامتداد الجغرافي، بحيث تحوّل الفضاء الافتراضي إلى سلاح فتاك لحسم الصراعات الجيوسياسية.

وعندما تطورت منتجات الرقمنة وبدأ الإنترنت بالانتشار، ساد اعتقاد وهمي ومضلل بأن البشرية تدخل عهداً جديداً من التحول الحضاري يتجاوز حسابات الجغرافيا السياسية، ويتيح توظيفاً سلمياً وسلساً للتكنولوجيا الرقمية، بشكل يضمن تحقيق عدالة كونية في مجال حصول الإنسان على المعلومة، من دون تحيّز أو تلاعب؛ بيد أن التطورات المتسارعة في المشهد الرقمي أفصحت عن حقائق صادمة، وأكدت أن انتشار الثقافة الشبكية وزيادة مستوى تعقيدها جعلا من الفضاء السيبراني، في اللحظة عينها، مسرحاً وأداة لمختلف الصراعات الجيوسياسية، بل إن هذا الفضاء أضاف بعداً أخطر من كل الأبعاد الأخرى، بخاصة مع التشظي المتواصل للعالم الشبكي، وتزايد مستوى التوظيف غير المحدود للإنترنت بهدف خدمة الأهداف الاستراتيجية للقوى العظمى.

ويرى المتابعون لتطورات الثورة الرقمية أنه، وخلال العقود الثلاثة الأخيرة، تحوّل الذكاء الاصطناعي من السياق الأكاديمي إلى أداة للسيطرة الجيوسياسة، ومن ثم، فإن المعركة الكبرى ليست متعلقة بهوية من يملك النماذج التقنية الفائقة الذكاء، بل تتمثل في تحديد الجهة التي تتحكم في الرقائق، وأشباه الموصلات، والبيانات والمعايير والسرديات التي تصاحب كـــل التحولات، التقنية والجيوسياسية.

وخلال المرحلة الأولى من التحوّل التي بدأت مع منتصف التسعينيات من القرن الماضي، والتي امتدت إلى غاية 2010، استطاعت الولايـــات المتحـــدة أن تبسط هيمنتها بسلاسة، اعتماداً على جامعاتها، ومراكزها البحثيـة، ورقائقها، وفضائها الشبكي العابر للحدود، أما الصين فكانت في هذه المرحلة تستورد أغلب حاجياتها التكنولوجية من أمريكا والغرب، وتتبنّى سياسة تكوينية قائمة على ارسال أعداد كبيرة من الطلاب إلى الجامعات، الأمريكية والأوروبية، ولم يكن الوعي الجيوسياسي برهانات الذكاء الاصطناعي متبلوراً بما يكفي لكي يصبح بؤرة للصراع، وأداة لإظهار وممارسة القوة.

وشهدت المرحلة الثانية التي امتدت إلى غاية سنة 2017 صحوة الصين، ودخولها ميدان المنافسة، ولكن من دون صدام واضح مع العملاق الأمريكي، الذي كان ينظر في هذه المرحلة لبكين كشريك تجاري موثوق، وليس كمنافس في المجال التكنولوجي، بالنظر إلى الفجوة التقنية الهائلة بين الطرفين.

أما المرحلة التي ما زلنا نعايش أطوارها، فيمكن وصفها بمرحلة حرب التكتلات الرقمية، والتي بدأت بقطع الشركة التايوانية المشهورة لإمداداتها من الرقائق للصين، بضغط من واشنطن، وقرّر البيت الأبيض في السياق نفسه استثمار نحو 52 مليار دولار لاعادة توطين صناعة الرقائق محلياً؛ ووجهت واشنطن ضربة أكثر قساوة لصناعات التقنية الصينية عندما منعت سنة 2022 شركة نفيديا من تصدير رقائقها المتطورة للشركات الصينية، الأمر الذي أجبر بكين على دخول ساحة المنافسة في صناعة أشباه الموصلات. ومع حلول سنتي 2024 و2025 دخل العالم، لأول مرة، في تاريخه إلى مرحلة الثنائية القطبية الرقمية، مع استمرار أمريكا في تطوير قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، لاسيما من خلال تطبيق شات «جي بي تي» الواسع الانتشار، وفاجأت الصين العالم بتطوير تطبيق ديبسيك للذكاء الاصطناعي بكلفة مالية جد متدنية مقارنة بالكلفة العالية التي يتحملها مطوّرو التقنية في أمريكا، ما تسبب بتراجع أسهم شركة نفيديا الأمريكية.

من الواضح أن التقدم الهائل في الذكاء الاصطناعي يجعله يتجاوز أسسه التقنية، ويتحوّل لأول مرة في تاريخ الإنسانية إلى صانع ومحدّد للقوة الجيوسياسية بالنسبة إلى العقود المقبلة.

[email protected]

21 أبريل 2026
القوميون البيض وسؤال الهوية الأمريكية

يخفي تخبّط واشنطن على المستوى الدولي أزمة عميقة داخل المجتمع الأمريكي، حيث يمكننا ملاحظة زيادة الصراع حول مشروع المجتمع بين تيارين مختلفين تزداد حدة الاستقطاب بينهما إلى درجة بدأت تهدّد السلم الأهلي في أقوى دولة في العالم، فهناك من جهة أنصار القوميين البيض الذين يرفضون التعدّد الثقافي والعرقي ويدافعون عن مرجعية أمريكية ذات أصول ثقافية أوروبية وبيضاء، ونجد من جهة أخرى دعاة الليبرالية المنفتحة على التنوّع الفكري والثقافي وقبول الآخر المختلف، ويرون أن أمريكا تأسّست على قبول المهاجرين القادمين من كل بقاع العالم دون تمييز بين الأفراد على أساس اللون والعرق أو الانتماء الديني. ويطرح الصراع بشأن طبيعة المجتمع أسئلة وجودية حول الهوية الحضارية للأمة الأمريكية، ويتجلى هذا الصراع بشكل واضح من خلال سياسة الهجرة التي يتبناها الرئيس ترامب، الأمر الذي يجعل المواجهة تتصاعد بين القوميين البيض الذين يتميّزون بنزوع واضح نحو الاستبداد وبين المدافعين عن المثل الديمقراطية وعن التعدد العرقي.

ومن الواضح أن السياسة المتشدّدة التي تطبقها الإدارة الأمريكية بشأن ملف الهجرة والقمع الذي تمارسه ضد المهاجرين، يمثلان إلى حد كبير نقطة الذروة في التوترات العرقية في أمريكا في سياق معركة أيديولوجية ذات تأثير أوسع تمس الهوية والقيم المؤسِّسة للديمقراطية الأمريكية. وقبل أن نستعرض بعض تجليات الصراع الهوياتي في الولايات المتحدة، نتوقف قليلاً عند مفهوم الهوية التي يقول عنها جان فرانسوا دورتيه، إنه شهد توظيفاً قوياً منذ التسعينات من القرن الماضي ليشير إلى ظواهر مثل الصراعات الإثنية والوضعيات والأدوار الاجتماعية على غرار الهوية الذكورية وثقافة المجموعة من قبيل الهوية القومية والدينية أو اضطرابات الهوية الشخصية، لنكون بذلك أمام 3 مستويات لتجلي الهوية: الهوية الجماعية، الهوية الاجتماعية، والهوية الشخصية، وتعتبر الهوية الجماعية هي المؤطرة لهويات الأقليات والقوميات.

يرى برتراند بادي في سياق متصل أن مفهوم الهوية السياسية يلعب دوراً كبيراً في الحياة السياسية على الرغم من الالتباسات التي يحملها، إنه يستجيب في واقع الأمر إلى مسعى يتعلق بترسيخ سلوكيات الأفراد في شكل من أشكال التناسق والانسجام والاستمرارية، فأن تكون مواطناً أمريكياً، على سبيل المثال، فذلك يحمل دلالة إيحائية بوجود أوجه تشابه أساسية مع كل الأمريكيين رغم اختلاف الطبقات والوضعيات والتربية إلخ، ليس فقط مع المعاصرين، ولكن أيضاً مع أجيال الماضي والمستقبل. ويحضر مفهوم الهوية هنا ليس فقط من أجل تأكيد شيء ما ثابت ويمثل قاسماً مشتركا بين الأفراد، ولكن أيضاً بهدف إبعاد كل الاختلافات ووضعها في زاوية خلفية.

ويشير المتابعون للشأن الأمريكي إلى أن المواجهة ذات الطابع الهوياتي بين القوميين البيض وبين الليبراليين، هو في حقيقة الأمر خلاف يتصل بمسألة تعريف الأمة، حيث يرى الطرف الأول أنها قائمة على العرق والثقافة الأصلية الأنجلوساكسونية للمهاجرين البيض من أوروبا، بينما يرى الطرف الثاني أنها قائمة على القيم الكونية، وعلى المؤسسات والانفتاح المؤمن بالمواطنة واحترام الدستور.

ونعتقد في هذا الإطار أن سياسات ترامب في مجال الهجرة تزيد من حدة التوتر الهوياتي في المجتمع الأمريكي وتعزّز حجج القوميين البيض، وتدعم رواياتهم المتعلقة بالتهديد الوجودي، وتجعل خطابهم أكثر قبولاً لدى السكان البيض، وتفضي هذه السياسات أيضاً إلى إعادة النظر في حقوق المواطنة المكتسبة وتبدو الجنسية الأمريكية وكأنها منحة سخية من الدولة، وليست حقاً يكفله الدستور الأمريكي، كما تعزّز هذه السياسات التصادم بين ما هو محلي وما هو عالمي بشكل يجعل الليبراليين يدعمون تصوراً مدنياً منفتحاً للهوية، بينما يدافع القوميون عن الخصوصية العرقية والدينية، ويمارسون، انطلاقاً من ذلك، تمييزاً خارجاً عن القانون تجاه الأقليات المنحدرة من أصول لاتينية وإفريقية ومسلمة وحتى آسيوية بشكل يدفع هذه الأقليات إلى الارتماء في أحضان الليبراليين الذين يدعمون أحياناً هويات جندرية تتعارض مع قيمهم الدينية.

نخلص بناءً على ما تقدم، إلى أن النقاش الهوياتي في أمريكا بدأ يخرج عن طابعه الفكري والسياسي، وبات يأخذ صبغة الاستقطاب العرقي الذي يجعل عدداً من المواطنين الأمريكيين يشعرون بتهديد وشيك لوجودهم، وهو ما قد يؤثر سلباً في الاستقرار والسلم في المجتمع.

[email protected]

10 أبريل 2026
القوة الناعمة الأمريكية.. وخطر التآكل

بلور المفكر الأمريكي جوزيف ناي مصطلح «القوة الناعمة» في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وبلاده تنفرد، لأول مرة في تاريخها، بقيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويعود المصطلح الآن إلى الواجهة والولايات المتحدة، تشهد تآكلاً غير مسبوق لمعظم عناصر القوة لديها، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن، فستكون القوة العلمية والتكنولوجية هي الأخرى جزءاً من الماضي.
لقد استندت القوة الأمريكية الناعمة في السابق على مجموعة من الأدوات المادية والرمزية، قال عنها بتراند بادي: «إنها الوضعية التي تسمح بالحصول التلقائي ومن دون إكراه على انضمام الآخرين إلى مشاريعك وأطروحاتك من خلال التأثير في اختياراتهم وتوجيه طموحاتهم وتطلعاتهم»، ويبرِز هنا الدور المحوري للثقافة والقيم واستراتيجيات التواصل تلك الصورة التي تقدمها صاحبة القوة الناعمة عن نفسها، وذلك فضلاً عن كل مجالات القيادة التي تضطلع بها مثل هذه القوة من أجل التأثير في رسم الخطوط العامة لأجندات السياسة الدولية.
وتدفعنا التطورات التي يشهدها العالم إلى التساؤل بجدية عن مستوى التقهقر الذي وصلت إليه القوة الأمريكية الناعمة، بعد أن تخلى كل الحلفاء الغربيين عن واشنطن، في سابقة هي الأولى من نوعها، وتركوها تواجه لوحدها تبعات خياراتها. يشير أحد الكُتّاب الفرنسيين إلى أنه، ومنذ سنوات عديدة، يسعى المحلّلون والإعلاميون إلى محاولة فهم استراتيجية الرئيس ترامب، وجرى تجنيد كل الخِبرات الممكنة من أجل تقديم تفسير عقلاني لتصريحات وقرارات الزعيم الأمريكي.
يتحدث صاحب مفهوم «القوة الناعمة»:« القوة الناعمة، مفهوم يعتمد على التأثير لا على الابتزاز، خاصة على التأثير الثقافي، وهو تأثير كانت تستفيد منه أمريكا بهدف فرض هيمنة سلسة وناعمة على العالم».
وقد كانت أكثر قرارات ترامب إلمضادة لقوة أمريكا الناعمة، هي إقدامه على إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي عملت على محاربة الأنظمة غير الليبرالية من خلال الترويج لصورة جذابة «للعالم الحر» لكسب قلوب الناس في مواجهة «الأنظمة الشمولية»، لتظل بذلك العلاقات القائمة على القوة الخشنة هي المعيار الوحيد الذي يحكم العلاقات بين الأمم. وعليه فإن أفول القوة الناعمة لأمريكا بدأ يتسبب في تراجع قدرة واشنطن على جعل الآخرين ينجذبون إليها، وفي تقلص قدرتها على الردع، الأمر الذي يؤثر بشكل حاسم في زعامتها للعالم، بسبب شعار «أمريكا أولاً»، لتجد واشنطن نفسها في عزلة شبه كاملة عن كل أصدقائها.
وهناك مؤشرات أخرى تُفصح عن مستوى تآكل القوة الناعمة لواشنطن، من بينها تراجع الديمقراطية الأمريكية وتزايد الشكوك بشأن حيادية مؤسسات الدولة في المنافسات الانتخابية، إضافة إلى انتشار العنف المجتمعي وتراجع قيم التسامح بين المجموعات العرقية والدينية، وقد كان لتدخل أصهار وأقرباء ترامب وأصدقائه في الشأن الدولي أثر بالغ السوء على سمعة أمريكا، حيث رفضت العديد من الدول تدخل شخصيات أمريكية مثل إيلون ماسك في شؤونها الداخلية.
إن أكبر خطر بات يحاصر قوة أمريكا الناعمة ويجعلها تبدو في وضعية هشة للغاية، يكمن في رهان الإدارة الأمريكية على القوة الخشنة في تعاملها مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، على الرغم من أنها تعرف جيداً أن القوة المادية لا تكفي لتحقيق كل الأهداف. وقد بينت التجارب السابقة أنه ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تستطع واشنطن أن تنتصر في أي حرب من حروبها سواء في شرق آسيا أو في الشرق الأوسط.

[email protected]

22 مارس 2026
صراع الدقة التكنولوجية والرؤية الاستراتيجية

الحسين الزاوي

يُجمع المراقبون على أن العالم يعيش مرحلة مفصلية في تاريخه المعاصر، سيكون لها ما بعدها وستحدّد وجهة الأحداث في الشرق الأوسط، ومسار العلاقات الإقليمية والدولية خلال العقود المقبلة، إذ إن الحرب الحالية في الشرق الأوسط تطرح أسئلة جيوسياسية عميقة تتجاوز القراءات السريعة التي يستدعيها منطق الراهن والتطورات المتسارعة، التي كثيراً ما تفرض على المتابعين استخلاص نتائج أو بلورة قراءات لا تأخذ في الحسبان تعقيدات الواقع الذي يخضع لتفاعلات داخلية وخارجية لا تتحكم فيها القوى العالمية الكبرى فقط، ولكن يلعب فيها الفاعلون الاجتماعيون دوراً حاسماً يتجاوز منطق العلاقات الدولية، وفقاً لما يؤكده برتراند بادي.
يرى الباحث لويز دو بومبلون، أن استخدام المسيّرات والصواريخ الدقيقة واللجوء إلى التصفيات الموجهة في سياق عمليات قطع الرؤوس في إيران، تخفي وراء ما يبدو أنه فاعلية تكتيكية واضحة، وهماً استراتيجياً، لأن النظام في إيران يمثّل هرمية مؤسساتية مكوّنة بشكل مقصود من أجل بقاء النظام السياسي بمعزل عن قيادته، وبالتالي لا يجب الخلط في رأيه بين الضرر الذي يتم إلحاقه بالخصم وبين التحوّلات التي يخضع لها النظام نفسه، لأن ذلك يؤدي إلى استبدال الرؤية الاستراتيجية لمسار الأحداث بالدقة التكنولوجية.
ويضيف الباحث أن الاستراتيجية القائمة على قطع رؤوس قيادات الخصوم ليست ابتكاراً خاصاً بعصر المسيّرات، إنها ممارسة تعبُر التاريخ العسكري منذ زمن طويل، وقد وجدت صياغتها النظرية الأكثر انضباطاً مع كارل فون كلاوزفيتز ورؤيته المتعلقة بمركز الثقل التي تدعو إلى ضرب النقطة المحورية التي تتركز حولها قدرة المقاومة لدى العدو، والحال أنه في سياق التقليد العسكري الغربي خلال القرن العشرين كثيراً ما كان يتمّ اختصار مركز الثقل بنوع من الاختزال العملياتي، في شخصية القائد. وهذا الاختزال الذي يحمل طابع الشخصنة يغفل حقائق من بينها أن الأنظمة المُغلقة لا تستند إلى سلطة الفرد، ولكن على جهاز بيروقراطي وأيديولوجي يتميّز باستقلالية فائقة.
هناك إذاً حاجة ماسة إلى التوظيف الدقيق للرؤية الاستراتيجية، إذ إن المقاربة الاستراتيجية، بحسب فريدريك إنسل، تنخرط بالضرورة في سياق عقلاني: يمكنها أن تبدو في بعض الأحيان خاطئة جبانة أو متردِّدة، وربما متهوّرة، ولكنها ليست منزوية في ركن سحري من الفكر أو في غطرسة عاطفية. ومع ذلك فإنه لا يجب تضخيم هذه المقاربة، من منطلق أن الأشياء كلها ليست مؤهلة لكي تحمل بعداً استراتيجياً، نعم كل استراتيجية تسعى إلى تحقيق هدف معيّن، ولكن كثيراً ما نجد بعض المعلّقين يخلطون بين الاستراتيجية والهدف.
وبالتالي فإنه ومع تضخم المعنى اللغوي للاستراتيجية، كما يقول أوبير فيدرين، فإن اللفظ صار يشير إلى كل مجموعة من النشاطات المنسّقة بغرض تحقيق هدف محدّد في أي مجال من المجالات، وهذا قد يبدو بديهياً، ولكن ليس كل من يريد أن يكون استراتيجياً يمكنه أن يكون مؤهلاً للعب مثل هذا الدور.
وإذا كان العمل العسكري الأمريكي المرتبط بالضربات الجوية الدقيقة يخضع لمنطق محاربة الإرهاب الذي يعود إلى بداية الألفية الجديدة والهادف إلى تحييد الدائرة العملياتية للتنظيمات المعادية بغرض تمهيد مسرح العمليات وحماية القوات التي يمكن إرسالها إلى أرض المعركة، يهدف في الغالب إلى بث الاضطراب والفوضى في صفوف العدو، فإن المقاربة الإسرائيلية تعتمد على تسريع التدهور والانحطاط في بنية الخصم لمنعه من التطور وإبقائه في حالة هشاشة دائمة تجعله قابلاً للانهيار في أي لحظة.
تركّز كل المقاربات التي أتينا على ذكرها على الدول، وكأنها الفاعل الوحيد في المعادلة، بينما تستحضر الرؤية الاستراتيجية الشاملة، الدور الأساسي الذي يمكن أن تلعبه المجتمعات في ديناميكيات التحول، فالمجتمعات أضحت تؤثر في السياسة الدولية عبر آليات من أبرزها: الرأي العام العالمي، والحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية، وشبكات التضامن العابرة للحدود. وعليه فإنه وبصرف النظر عن مآلات الحرب الحالية ستظل الدقة التكنولوجية غير كافية وحدَها لمنع مزيد من التدهور في الشرق الأوسط، ولن تسهم بشكل فعّال في إنقاذ الاقتصاد العالمي من شبح الركود، وسيكون للرأي العام العالمي كلمته القوية بشأن المغامرات السياسية التي تهدّد أمن واستقرار العالم.

[email protected]

2 مارس 2026
خيارات إدارة ترامب في آسيا

الحسين الزاوي

تمثل آسيا بشكل عام ومنطقتا جنوب شرق آسيا والمحيطان الهندي والهادي بشكل خاص، أولوية كبرى بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية لأسباب لا تحتاج إلى تذكير، من منطلق أن استمرار الزعامة الأمريكية للعالم، يستند على ديمومة التحالفات مع أكبر عدد ممكن من دول المنطقة، وعلى تطوير مستمر للقدرات العسكرية والتكنولوجية من أجل محاصرة الصين التي تشكل أبرز تحدٍ وجودي لواشنطن. وتحرص إدارة ترامب على توظيف كل قدراتها للتأثير في مسار الأحداث في آسيا، وكثيراً ما يدفعها هذا الحرص إلى الاعتماد على حسابات ظرفية خاطئة، وإلى اتخاذ قرارات متسرِّعة لا تسيء فقط للخصم الصيني بل تجعل الحلفاء المقربين لها، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، يشعرون بأن الشريك الأمريكي يمكن أن ينقلب عليهم في أي لحظة.
يشير فريدريك إنسيل في قاموسه الجيوسياسي إلى أن آسيا ستظل تمثل أبرز قارة في المعمورة، ليس فقط بالنظر إلى مساحتها الشاسعة، لا سيما إذا أضفنا لها منطقة سيبيريا الروسية، ولكن أيضاً من منطلق كثافتها السكانية المرتفعة والتي ستبقى هي الأعلى في العالم خلال العقود المقبلة على الرغم من النمو السكاني السريع الذي تعرفه القارة الإفريقية، كما أن آسيا تتميز بتنوعها اللغوي ولاسيما الديني، ويوجد بها القسم الأكبر من العقائد غير التوحيدية في العالم، إضافة إلى أنها تمثل مهد كل الديانات التوحيدية الكبرى. وفضلاً عن كل ما تقدم، وهو ما يفسر من ثم الرهان الأمريكي على آسيا، فإن هذه القارة تمتلك القسم الأكبر من الاحتياطيات العالمية من الثروات الطبيعية مثل النفط والمعادن النادرة.
ويمكن القول إن أبرز المفارقات التي سجلها المراقبون بشأن السياسة الخارجية لترامب في آسيا خلال ولايته الرئاسية الثانية، تتمثل في الغموض الذي يكتنف استراتيجية إدارته، إذ إن ترامب بدأ هجومه على حلفائه قبل أن ينتقل إلى خصومه الكبار، وغلب على الكثير من سياساته التسرّع وأحياناً العشوائية من خلال إعلان قرارات مفاجئة ثم التراجع عنها لاحقاً، الأمر الذي دفع البعض إلى القول إنه يعتمد الشدة ضد الضعفاء و«اللين» في مواجهة الأقوياء، واتضح للجميع اعتماده على مبدأ القوة في العلاقات الدولية بوصفه المعيار الأساسي للدفاع عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، في سياق داخلي أمريكي يهدف إلى إعادة الاعتبار لأخلاق القوة وبناء عقيدة عسكرية هجومية، كان من أهم تجلياتها إعادة توصيف المؤسسة العسكرية وتسميتها بوزارة الحرب عوضاً عن وزارة الدفاع.
كما أن ترامب يتعامل مع الصين انطلاقاً من تكتيكات آنية ومتغيّرة وليس اعتماداً على استراتيجية ثابتة وواضحة المعالم، لأن ما يهمّه في المقام الأول هو محاصرة بكين ومنعها من تحقيق أهدافها البعيدة المدى التي من أبرزها التحوّل إلى القوة العظمى الأولى في العالم مع مطلع سنة 2049 التي ستمثل الذكرى المئوية الأولى لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، وتعمل إدارته على إطلاق تصريحات متناقضة بشأن سيادة الصين على تايوان بهدف دفع الصين إلى اتخاذ قرارات غير دقيقة، قد تبطئ وتيرة تقدمها المتسارع. ويبرز هذا التركيز الكبير لواشنطن على المنطقة من خلال زيارة وزير الحرب الأمريكي مرتين في الفترة الممتدة بين مارس/ آذار ومايو/آيار 2025 إلى دول في المحيطين الهندي والهادي، مؤكداً بالمناسبة أن إدارة بلاده ملتزمة بتحقيق السلام في المحيطين بالقوة، لكونهما يشكّلان أهم أولويات واشنطن.
وقد وجّه، في السياق نفسه، وزير الخارجية الصيني انطلاقاً من مؤتمر ميونيخ للأمن، رسالة واضحة لإدارة ترامب أعاد من خلالها تحذير واشنطن من تجاوز الخطوط الحمراء في تايوان قائلاً إن أي محاولة أمريكية للتآمر بهدف فصل تايوان عن الصين ستؤدي على الأرجح إلى مواجهة، ودعاها إلى اعتماد طريق التعاون مع بلاده، عوض العمل على تقويض سيادة الصين ودفع تايوان إلى الانفصال.
أما بالنسبة للهند فإنه، ورغم قرار ترامب القاضي بخفض الرسوم الجمركية عن الصادرات الهندية، وهو أمر استقبلته نيوديلهي بترحيب واضح، إلا أن حكومة مودي لا تثق كثيراً في التزامات واشنطن وتتعامل بحذر بالغ مع مزاج ترامب المتقلب، ومن ثم فإن الهند عبّرت خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي الذي استضافته، عن طموحاتها في تجاوز كل من أمريكا والصين على حد سواء، لأنها تريد أن تقود دول الجنوب الكبير إلى تطوير ذكاء اصطناعي مفتوح أمام كل الدول يكون أكثر احتراماً للخصوصية ولبيانات المستخدمين.
نخلص عطفاً على ما تقدم، إلى أن خيارات ترامب في آسيا لم تعد سهلة التنفيذ في المرحلة الراهنة، فقد أضاعت واشنطن جزءاً كبيراً من رصيد الثقة الذي كانت تمتلكه لدى حلفائها في المنطقة، ودفعت الصين إلى تبني سياسة أكثر حزماً تجاه المصالح الأمريكية، وجعلت الهند ترسّخ حيادها بشأن المواجهة المحتدمة بين القوتين الكبيرتين، حفاظاً على مصالحها الاستراتيجية البعيدة المدى، وعلى علاقاتها التاريخية مع موسكو.

[email protected]