من بين مظاهر التحولات الاجتماعية في البلدان العربية خلال العقود الماضية، انتعاش #187;صناعة#171; فئة جديدة، تجسدها شخصية ما يدعى في العامية المصرية #187;الفهلوي#171;، وهي صناعة وثيقة الصلة بتلاشي الفئات الوسطى الذي هو محور نقاشات نظرية ومنهجية وميدانية مستمرة، حيث يعزو الكثير من الباحثين العديد من أوجه الأزمة في عالمنا العربي إلى تهميش مكانة هذه الفئات، لا بل وسحقها . قرأت مرة دراسة ميدانية عن الراغبين في الهجرة من الشباب العرب، تؤكد أن أغلبية هؤلاء هم من الأطباء والمهندسين، وسواهم من حملة الشهادات الذين ضاقت بهم السبل في بلدانهم . إحداهن وهي طبيبة راحت تترحم على الزمن الذي كانت فيه مهنة الطب مصدراً للوجاهة والراتب الجيد، أما اليوم فإن راتبها، كما تؤكد، لا يفي حتى بالمتطلبات البديهية للمعيشة .

كانت الفئات الوسطى شاغلة الناس في الأدب والسينما، فالبطل الروائي عند نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس مثلاً هو عادة من أبناء هذه الفئات، حيث يكون محور الأحداث التي تدور غالباً في أجواء المدينة العربية، المشرقية منها خاصةً، وبعض الدراسات النقدية توجهت لمعالجة ظاهرة البطل في الرواية العربية، مركزة على انتسابه الاجتماعي هذا، وما يستتبعه من خصائص سيكولوجية وفكرية، تميز سلوك المنتمين إلى هذه الفئات تحديداً .

في السينما العربية كان البطل النموذجي هو الطبيب القادم من المدينة للعمل في المناطق الريفية في بداية حياته العملية، أو #187;الباش مهندس#171; الذي يقع في حب ابنة مديره، أو المحامي الناجح الذي ببراعته ولباقته ودهائه يخلص المتهم من عقوبة محققة .

لكن البطل السينمائي، بعد منتصف السبعينات الماضية، في حقبة الانفتاح وما تلاها أصبح المضارب أو #187;الفهلوي#171; شبه الأمي الذي ترك المدرسة مبكراً، أو المحاسب الناجح الذي سيرفّع إلى مدير الأعمال، وأصبح عائد المهندس أو الطبيب موضوعاً للسخرية بالقياس إلى ما يتقاضاه #187;الفهلوي#171; من عملات ورشى، وما يجنيه من السرقات والصفقات غير المشروعة .

أما التدرج الوظيفي الاعتيادي للمهندس أو الأستاذ الجامعي فبات #187;مشي سلحفاة#171; بالنسبة إلى الصعود السريع لأعلى السلم الاجتماعي للفئة الجديدة، وفي بعض روايات نجيب محفوظ أوحنا مينة وغيرهما من الروائيين والكتاب العرب منذ الثمانينات الماضية خصوصاً، وصف بليغ لأوجه سلوك هذه الفئة الهجينة التي لم يغطّ بذخها الفاحش سلوكها الموروث من ماضيها القريب يوم كانت نسياً منسياً .

ستغدو #187;الفهلوة#171; سلوكاً معمماً، لن يقف عند حدود تلك الشرائح التي أفرزها الانفتاح العشوائي الذي صادر المكتسبات الاجتماعية التي شرعت في تحقيقها بعض الدول العربية بعد نيل الاستقلال، وسيغدو المال النفطي وسيلة لانتعاش هذا النوع من الفهلويين، ليطال ضمن من يطال نماذج من المثقفين وأشباههم الذين تحولوا إلى كتبة و#187;كلمنجية#171;، يبيعون بضائعهم المسمومة، بعد أن وجدوا فرصتهم للصعود في بيئة عربية فاسدة ومأزومة، انقلب فيها ميزان القيم رأساً على عقب، واستبيحت المعايير الأخلاقية والمهنية، ولم تعد الكفاءة معياراً في الاختيار، طالما كانت مهارات الفهلوة ومعرفة من أين تُؤكل الكتف، كما كان العرب يقولون، هي الميزان، لنكون، بذلك، إزاء أزمة أخلاقية على قدر كبير من الحساسية، لا تنفصل عن الأزمة العامة التي دخل العالم العربي في نفقها، بفعل تعثراته البيّنة في تحقيق التنمية والمشاركة السياسية والتنشئة الاجتماعية الرشيدة .

[email protected]