لعل واحدة من المفارقات التي تنطوي عليها رياح التغيير السياسية والفكرية العالمية منذ هبوبها في مطلع العقد الأخير من القرن الماضي اثر سقوط الاتحاد السوفييتي (القطب الثاني في النظام العالمي الثنائي القطبية) وحلفائه دول المعسكر الشرقي ان التشريعات والمواثيق الدولية الناظمة لحقوق الإنسان والديمقراطية هي إما متقدمة على الممارسة الفعلية لأغلبية الأسرة الدولية وإما متقدمة حتى على تشريعات أعضاء هذه الأسرة على صعيد الدساتير والقوانين والتشريعات الوطنية.ومن أبرز معالم التطور في تشريعات ونظم حقوق الإنسان التي شهدها المجتمع الدولي خلال العقدين الماضيين تقريباً، وتحديداً منذ مطلع تسعينات القرن العشرين، إقرار محكمة الجنايات الدولية، وتشكيل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. فعلى الرغم مما يجسده هذان الجهازان من تطور في منظومة وفكر حقوق الإنسان العالمي فإن سلطتيهما الدوليتين مازالتا مقيدتين بموازين القوى الدولية على الساحة الدولية، بما في ذلك طغيان سلطات القوى العظمى المهيمنة على هذه الساحة فضلاً عن سلطات الدول الشمولية والدكتاتورية، وعجز التشريعات الدولية وسلطة الأمم المتحدة وأجهزتها عن فرض إرادتها على سلطات تلك الدول والتي تحتمي عادة بمقولة حق السيادة ورفع مبدأ رفض التدخل في الشؤون الداخلية، وهو كلام حق غالباً ما يراد به باطل.ويمكن القول انه لا يمكن الإخلال بموازين القوى الدولية المتسلطة والمعادية لحقوق الإنسان من دون أن تنضج الظروف الموضوعية والذاتية على الصعد الوطنية القطْرية والدولية لتشكيل أوسع اصطفاف ضاغط يجبر هذه القوى المتسلطة على الاستجابة لإرادة الشعوب وقواها السياسية والديمقراطية الحية التواقة لانتزاع حقوقها السياسية والديمقراطية وسائر حقوقها المدنية والإنسانية.ولعل آخر ما وصلت إليه التشريعات والمواثيق الإنسانية من تطور يعكس ما بلغه الفكر الحقوقي الإنساني العالمي في الألفية الجديدة من ارتقاء دولي رحب بالقرار الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر السنة المنصرمة 2007 والذي يدعو دول العالم إلى تجميد تنفيذ أحكام الإعدام تمهيداً لإلغاء هذه العقوبة نهائياً من كل تشريعات الأسرة الدولية، ويعود لإيطاليا الفضل في التقدم بهذا الاقتراح، والذي رعته 87 دولة واعتمد بموافقة 104 أعضاء في الجمعية العامة ومعارضة 54 عضواً وامتناع 29 عضواً.ومع أنه لم تتوافر بين أيدينا بيانات إعلامية عن قائمة الدول التي عارضت القرار وكذا الدول التي امتنعت عن التصويت إلا أنه من الثابت أن أغلبية الدول الإسلامية صوتت ضد القرار بالإضافة إلى الولايات المتحدة واليابان والصين وبعض الدول النامية.الجدير بالذكر أن القرار الدولي الذي يعد معلماً جديداً من تطور الفكر الحقوقي الإنساني العالمي ينص على أن عقوبة الإعدام تمس الكرامة الإنسانية وأن لا أدلة دامغة تجيز أو تبيح تطبيق هذه العقوبة مهما كان جرم الجاني، وأن لا تأثير رادعاً لاجتثاث هذه الجريمة من المجتمعات، وأن أي خطأ وسوء تقدير قضائي في تطبيقها لا يمكن العودة عنه أو إصلاحه. كما يحث القرار دول العالم على الحد تدريجياً من تنفيذ عقوبة الإعدام، ويناشد القرار الدول التي ألغت عقوبة الإعدام بعدم اعتمادها مجدداً.وهناك 133 دولة ألغت عقوبة الإعدام في حين ما زالت 64 دولة تطبقها وان كانت الدول التي تلجأ إلى تطبيقها في الممارسة العملية أقل من هذا الرقم. وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة تراجع تنفيذ أحكام الإعدام فيها إلى أدنى مستوياته منذ عام ،1994 وإن كان هذا التدني يعود في الأساس ليس لاتجاه نحو إلغاء العقوبة بقدر ما يعود إلى تعليق إجراء الحقنة القاتلة المثيرة للجدل داخلياً في الولايات المتحدة.على أية حال فإن تخلف أكبر دولة في العالم معروفة بتباكيها على حقوق الإنسان في مناطق عديدة من العالم، عن الركب العالمي المتحضر في الارتقاء بحقوق الإنسان يظهر لنا واحداً من مظاهر نفاق وازدواجية معايير هذه الدولة في سياساتها الخارجية الكونية.