كل ما هو منجز يبدو بسيطاً، أو هكذا يخيل إلينا، لأننا لا نتذكر حجم العمل المبذول فيه، ولا التفاصيل المعقدة الداخلة في تركيبه .
الحال نفسها تصح على الأداء الماهر للرياضي أو الموسيقي أو الفنان التشكيلي، فنحن نستمتع بتفوق هؤلاء وبحسن صنيعهم، الذي أتوه بسلاسة وربما بتلقائية، تجعلنا لا نلاحظ مقدار المراس والتدريب والمعرفة الكامنة في ما يؤدون .
ولو تأملنا في حال أطفالنا مع لعبهم الحديثة، لوجدنا ما يُدهش . إن طفلاً لم يتجاوز الخامسة من العمر قادر على فك وتركيب لُعب على درجة من التعقيد، بحكم المران والتكرار، الأمر الذي نبدو نحن الكبار عاجزين عن إتيانه .
فأطفال اليوم، كما لاحظ أحد الكتاب المغاربة، يتعاملون بلعب من الكيمياء والفيزياء، بالموجات والاهتزازات، بالضوء والصورة، أي مع الأمور المعقدة ولكن ببساطة نحسدهم عليها، نحن من لعبنا في طفولتنا بالطين .
حين يستعصي علينا فهم قصيدة أو لوحة فنية نُسارع إلى القول إنها مُعقدة وغامضة، دون أن نتبصر في حال آخرين يجدون متعة في تذوق القصائد أو اللوحات نفسها، لأن مخزونهم من الثقافة، وحواسهم المُدربة على التذوق تجعل متعتهم أكبر بما يشاهدون أو يقرأون أو يسمعون .
لعل هذا يُفسر لنا أن أعمالاً وروائع فنية لم تحظَ بالقبول في زمنها، عرفت في ما بعد رواجاً واقبالاً عليها، لأن مستوى التطور الذي بلغه الناس، ثقافةً ووعياً وذائقةً، جعل من العصي على الفهم مفهوماً، ومن المعقد بسيطاً .
كل بسيط، إذاً، هو معقد، من حيث إنه ينطوي على مجموعة من التفاصيل البسيطة، فكل مجموعة من هذه التفاصيل تشكل في النهاية منظومة أو ظاهرة مُعقدة، لكنها ليست مُغلقة أو عصية على الادراك، في ظروف وملابسات قابلة للتوفر .
من الغريب أننا في حياتنا نميل إلى تبسيط المعقد وتعقيد البسيط .
فعلى الورق، وفي التنظير، تبدو كل الأمور بسيطة وقابلة للحل، لكنها في الواقع ليست كذلك أبداً، فالواقع أغنى من كل النظريات والتأويلات، فهل نفاجأ إذا ما أصاب الاخفاق الكثير من المشاريع الطموح، كأن حال أصحابها حال من أراد أن يسخر من التاريخ فسخر التاريخ منه، لأنه لم يول من العناية ما هو كاف لرؤية التضاريس والنتوءات الموجودة في الحياة، لكنها لا تظهر على الورق .
معرفة الواقع تتطلب رؤية من معدنه، رؤية مركبة تحيط بعناصره من الجهات شتى .
[email protected]